مساعدون الويب

المواضيع الأخيرة
» نكتة رائعة
من طرف Lord CODES اليوم في 0:13
» شكل جديد لازرار المنتدى
من طرف Lord CODES اليوم في 0:13
أكتب ملاحظاتك هنا

حلقات من دفاتر النكبة

صفحة 1 من اصل 2 1, 2  الصفحة التالية

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

default حلقات من دفاتر النكبة

مُساهمة من طرف McNabulsy في الخميس 17 مارس - 21:30

من دفاتر النكبة (1):
معركة جنين(2-4 حزيران 1948 ) وأبعادها الاستراتيجية والتاريخية../ د.مصطفى كبها 




تعتبر معركة جنين الأولى والتي جرت بين الثاني والرابع من حزيران عام 1948 في قطاع مدينة جنين الفلسطينية وعمقها القروي من أكثر المعارك تأثيراً على مجريات الحرب في النصف الثاني من عام 1948. فلهذه المعركة الكثير من المدلولات التكتيكية والاستراتيجية والعديد من الانعكاسات القريبة والطويلة المدى على سير المعارك وعلى معنويات الشعب الفلسطيني وصموده في هذا القطاع المهم من جبهات القتال. 

منذ البداية، ظهر واضحاً للعيان أن قوات الجيوش العربية التي جاءت إلى فلسطين في الخامس عشر من أيار 1948 ورابطت في أجزاء مختلفة منها كانت تتمركز وتشترك في القتال، بشكل فعلي، فقط في المناطق المخصصة للدولة العربية حسب قرار التقسيم. هذا في حين لم تلتزم القوات اليهودية بذلك،حيث لم تكتف باحتلال المناطق المخصصة للدولة اليهودية بل هاجمت مناطق مخصصة للدولة العربية وقامت باحتلالها حتى قبل مغادرة القوات البريطانية فلسطين في الخامس عشر من أيار 1948.

بعد ان أكملت القوات اليهودية احتلال قرى المزار ونوريس وزرعين وتهجير أهلها في الثلاثين والحادي والثلاثين من ايار 1948، بدأت هذه القوات تقصف مدينة جنين بمدافع الهاون وبعض الطلعات الجوية وقد تركزت معظم الهجمات على محيط منطقة القلعة ( نقطة البولسي التي كانت في الماضي جزءاً من حزام القلاع الذي أقامه الضابط البريطاني تشارلز تيجارت أثناء ثورة 1936 -1939 ) والتي كانت مقراً للقوات المدافعة عن المدينة.

كان هذا القصف يهدف، كما يبدو، لتحقيق جملة من الأهداف العسكرية والاستراتيجية بعيدة المدى. فمن الناحية العسكرية كانت هذه الهجمات تهدف لاحتلال مدينة جنين والوصول إلى مفرقي قباطية ودير شرف الاستراتيجيين بحيث يكون من شأن القوات الواصلة إلى هناك عزل القوات العراقية المتمركزة في المثلث ومفاجأتها من الخلف بشكل يضطرها للانسحاب أو التسليم وهو أمر يعزز إلى حد كبير الوضع العسكري للقوات الإسرائيلية في االمواقع التي كانت قد احتلتها في قضائي حيفا وبيسان. 

أما على الصعيد الاستراتيجي فقد كان هذا القصف يهدف لترويع السكان المدنيين وتعجيل تهجيرهم كما حصل في القرى والمدن العربية التي كانت قد احتلت وهجر سكانها قبل ذلك. هذا مع العلم أن نسبة عالية من اللاجئين القادمين من قطاعات حيفا وبيسان، كانت قد وجدت لها ملجأ في مدينة جنين ومحيطها، إذ أن تهجير سكان المدينة ومحيطها أنفسهم كان من الممكن ان يبعد اللاجئين مسافة أكبر عن قراهم ويزعزع لديهم المعنويات والإصرار على العودة. 

كما وثمة هدف آخر سعت القيادة الإسرائيلية لتحقيقه وهو محاولة منع هجوم عراقي محتمل نحو العفولة ومرج ابن عامر يكون من شأنه عزل القوات اليهودية المتواجدة في منطقة بيسان وطبريا. 

في البداية نزح سكان زرعين والمزار ونورس وصندلة ومقيبلة والجلمة وزبوبة إلى جنين وبرقين وميثلون وقرى أخرى، ولكن مع اجتياح القوات الاسرائيلية مدينة جنين في الثاني من حزيران 1948 نزح اللاجئون وسكان مدينة جنين وقرية برقين أنفسهم نحو قرى جنوب القضاء وقرى شمالي قضاء نابلس. 

بلغ عدد القوات اليهودية المهاجمة قرابة 4000 مقاتل انتظموا في أربع فرق، ثلاث منها (الفرق 21 و 22 للواء كرملي والفرقة 13 للواء جولاني) قامت بالهجوم بشكل فعلي، أما الرابعة فقد انحصر نشاطها في أعمال التمويه والامداد. أما القوات العربية المدافعة فقد تكونت من: 250 جندياً عراقياً ينتمون إلى سريتين الأولى سرية مشاة بقيادة نوح عبد الله الحلبي وسرية مدرعات بقيادة الضابط محسن الأعظمي. 

وقد كانت هذه القوات مسلحة ببضعة مدافع هاون وسبع مدرعات وخمس رشاشات من طراز فيكرز. إلى جانب القوة العراقية كان هناك فصيل فلسطيني يتكون من خمسين مقاتلاً من قرى شرقي قضاء جنين يقوده الشهيد داود الحوراني وفصيل فلسطيني آخر يقوده فوزي فياض جرار من صانور وقد كان يتبع جيش الجهاد المقدس هذا إضافة لفصيل من المتطوعين الفلسطينيين والأردنيين كان يقودهم الضابط عبد الرحمن الصحن (وقد كانوا مرابطين قبل ذلك في قرى شمالي قضاء جنين كزرعين والمزار ونوريس) وبعض رجال البوليس الفلسطيني برئاسة الملازم نايف صالح البرغوش. وقد كان كل المتطوعين ورجال البوليس مسلحين سلاحاً خفيفاً لم يتعد البنادق الشخصية وبعض صناديق الذخيرة للبنادق الخفيفة. اما السرية التابعة للجيش الأردني والتي كانت تحت قيادة الضابط عصر المجالي ( إبن الشيخ رفيفان المجالي ) فقد كانت قد غادرت جنين قبيل الهجوم الإسرائيلي بأربع وعشرين ساعة وقد أثار انسحابها الهلع في قلوب المدنيين وصاحب ذلك تدهور حاد في معنوياتهم.

مع قدوم الضابط العراقي نوح الحلبي ( من مواليد الموصل عام 1909، خريج الكلية العسكرية في بغداد وقد أنهى خدمته في الجيش العراقي برتبة عقيد ) مع سريته في ليلة الثاني من حزيران أصبح هو القائد الأعلى لكافة الجنود والمتطوعين العرب وقد جعل مبنى قلعة البوليس مقراً لقيادته، وقد كان معه في مقر القيادة إضافة لقادة الوحدات المذكورة أعلاه قائمقام جنين عصام الشوا وقاضي محكمة الصلح في جنين خليل العبوشي والدكتور نصفت كمال وضابط البوليس نور الدين العبوشي. 

سير المعركة: في غضون يوم الثاني من حزيران 1948 وليلة الثالث منه، استطاعت القوات الإسرائيلية السيطرة على معظم التلال المحيطة بمدينة جنين بل واقتحمت معظم الأحياء السكانية بحيث لم يبق بيد القوات المدافعة سوى بعض الجيوب ومبنى القيادة في القلعة. وقد ابرق القائد نوح الحلبي إلى كافة القطاعات العراقية في فلسطين طالباً النجدة، وذلك بعد أن أوشكت ذخيرة جنوده على النفاذ. وقد كانت الوحدات التي يقودها المقدم عمر علي ( من مواليد كركوك عام 1910، خريج كلية بغداد العسكرية أنهى خدمته في الجيش العراقي برتبة زعيم ركن ) هي أقرب الوحدات العراقية إلى جنين حيث كانت هذه الوحدات في طريقها لاستبدال وحدات عراقية أخرى مرابطة في منطقة المثلث الجنوبي ( الطيرة وكفر قاسم ). 

بدأت طلائع القوة العراقية تصل مشارف جنين في الساعات المبكرة من فجر الثالث من حزيران، وقد سارت هذه القوات، التي ساندتها قوات من المتطوعين الفلسطينيين، في مسارين: الأول على الطريق العام نابلس - جنين وقد كانت هذه القوات برئاسة المقدم ميخائيل شلمون ( عراقي –أشوري)، والثاني كان بقيادة عمر علي وقد سلك طريقاً فرعياً غربي الطريق العام ليتسنى له مفاجأة القوات اليهودية من الخلف في منطقة برقين –اليامون. 

حاولت القوات اليهودية وقف تقدم النجدات العراقية من خلال قصفها من الجو من دير شرف وحتى جنين لكن هذه الهجمات لم تفلح بوقف التقدم سيما وأن تقدم القوات العراقية كان قد تم في الليل. بدأ الالتحام بين القوات في الثامنة صباحاً من يوم الثالث من حزيران. في البداية احتلت القوات العربية سفوح برقين وبعد ذلك استطاعت هذه القوات من السيطرة على تل الخروبة الاستراتيجي بعد معركة في السلاح الأبيض خاضتها سرية عراقية بقيادة الضابط إدريس عبد اللطيف. ثم اشتد القتال في منطقة محطة السكة الحديدية التي جعلتها القيادة اليهودية مقراً لها. في عصر ذلك اليوم حاولت القوات اليهودية القيام بهجوم مضاد من خلال وحدة مدرعات ووحدتي مشاة ولكن نيران المدفعية العراقية منعت هذا الهجوم من تحقيق أي انجاز على الأرض بل قامت القوات العراقية وقوات المتطوعين الفلسطينيين بهجوم آخر تكلل في صباح الرابع من حزيران بطرد القوات اليهودية من كافة الأحياء السكنية للمدينة بل طاردت فلول القوات المنسحبة إلى ظاهر جنين الشمالي، حيث انتهت الأعمال القتالية حوالي الساعة الحادية عشرة قبل الظهر. 

وقد غنم الجيش العراقي في هذه المعركة حوالي 300 بندقية من طرازات مختلفة وعشرة مدافع هاون وعشرين رشاشاً وأربعة أجهزة لاسلكية. قدرت خسائر القوات الإسرائيلية ب-300 بين قتيل وجريح، في حين قدرت الخسائر العربية بنحو 100 من العسكريين (عراقيين وفلسطينيين وأردنيين ) ونحو خمسين مدنياً. 

الملفت للنظر أن هذه المعركة لم تحظ بالاهتمام البالغ من جهة الكتاب والمؤرخين اليهود، فقد اختار البعض تجاهلها في حين ذكرها البعض الآخر بشكل عرضي، في حين لم ير فيها من ذكرها إخفاقاً بل انجازاً منع التواصل بين قوات الجيش العراقي في محيط المثلث الكبير ( جنين – نابلس – طولكرم ) وبين قوات جيش الانقاذ في الجليل. وعلى سبيل المثال فقد قال موشيه كرمل قائد المنطقة الشمالية في الجيش الإسرائيلي آنذاك في معرض حديثه عن تلك المعركة: " هذه المعركة المرة التي دفعنا فيها أغلى الدماء، حسمت مصير مرج يزراعيل الذي أصبح بعدها لنا إذ أن خطط وتحضيرات العدو لمهاجمة العفولة تحولت إلى شظايا بعد المعارك الطاحنة التي دارت في جنين ومحيطها". 

صحيح أن خط النار بعد هذه المعركة كان على مشارف مدينة جنين، لكن القوات العراقية سعت لإبعاده قرابة 15 كم نحو الشمال وقد نجحت في ذلك في سلسلة من الهجمات قامت بها في الثامن من تموز 1948، بحيث أضحى خط النار على تخوم قرية زرعين المهجرة شمالي خط قرى صندلة ومقيبلة، وقد بقي هذا خطاً للنار حتى اتفاقية رودس في ربيع 1949 بين الأردن وإسرائيل والتي جرى بموجبها تسليم قرى مقيبلة وصندلة للقوات الإسرائيلية التي دخلتها في تموز 1949. في حين كان العراقيون قد غادروا تلك المنطقة وسلموها للجيش الأردني في كانون الثاني من العام 1949. 

وللخلاصة نقول إنه لولا الإنجاز الذي حققته القوات العراقية وقوات المتطوعين من الفلسطينيين والأردنيين في معركة جنين لكان جزء كبير من قرى هذا القضاء في عداد القرى المهجرة وربما مدينة جنين نفسها التي كان سكانها قد نزحوا بمعظمهم عنها أثناء موجة الهجوم الإسرائيلية الأولى وقد عادوا بعد استردادها من قبل القوات 
العربية

McNabulsy
 
 

الجنس : ذكر
الدولة :
عدد المساهمات : 1020
نقاط النشاط : 1444
تقييمك : 5
تاريخ التسجيل : 08/06/2015
العمر : 18

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://inkor.ibda3.info/

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

default رد: حلقات من دفاتر النكبة

مُساهمة من طرف McNabulsy في الخميس 17 مارس - 21:31

من دفاتر النكبة (2): 
تهجير القرى العربية في النقب عام 1948 : منطقة الشريعة كحالة بحث 

تعاني الرواية الفلسطينية للنكبة، في كل ما يتعلق بعملية تهجير القرى العربية في النقب، من النقص الشديد بل يمكننا القول بأنها تقاسي الكثير من التغييب والتجاهل، الشيء الذي ينعكس، إلى حد كبير، على معالجة قضايا أبناء الأقلية العربية الفلسطينية في النقب الملتهبة هذه الأيام. 

تتجاهل معظم المصادر الفلسطينية " المعتمدة " في هذا المجال العدد الدقيق للقرى العربية المهجرة في النقب. بعضها يحصرها في أربع قرى والبعض الآخر بتسع، والبعض الآخر يغالي قليلاً فيعطي الرقم 88. والأنكى من ذلك أن نسبة ليست قليلة من هذه المصادر تتجاهل مدينة بئر السبع الحاضرة المدنية الأهم لهذه المنطقة منذ إقامتها من قبل العثمانيين في مطلع القرن العشرين وجعلها عاصمة للقضاء.

وكما يبدو، فإن مسألة حصر عدد القرى العربية المهجرة في النقب ستتطلب من الباحثين والدارسين جهداً أكبر بكثير مما يبذلونه اليوم وذلك للتكشف لنا صورة ما جرى هناك بشكل أوضح.

في مقالتنا هذه سنحاول الوقوف على تفاصيل وآليات التهجير لمنطقة الشريعة، وهي إحدى المناطق المغيبة في رواية التهجير والنكبة، آملين أن نعطي بذلك عينة دراسة مختارة يمكن أن تكون ممثلة لما جرى في باقي المناطق المغيبة. 

كانت منطقة الشريعة، الواقعة غربي مدينة بئر السبع وعلى بعد 15 كم إلى الشرق من شاطئ البحر المتوسط، تجمع بعض تجمعات القبائل العربية التي انضوت تحت لواء عشيرة قديرات الصانع، وضمت كلاً من حمائل أبو بدر، أبو سعد، أبو خبيزة، أبو عبيّد، أبو عبلة، أبو مسامح وأبو دحل، وغيرها العديد من الحمائل والبطون والتي كان بعضها قد مر بعملية من التوطين والبناء في أماكن سكن ثابتة منذ أواخر العهد العثماني، واستمرت هذه العملية طيلة فترة الانتداب البريطاني من خلال علاقات تجارية وزراعية وتعليمية طورها سكان المنطقة مع الحواضر المدينية القريبة غزة وبئر السبع والخليل. 

شارك أبناء هذه العشائر في النشاط الوطني الفلسطيني منذ بداياته، وفي ثورة 1936 -1939 كان الشيخ إبراهيم الصانع (من أوائل المتعلمين في المنطقة وخريج استانبول) مضيفاً للثوار ومنظماً لهم. 

وقد روى لي الشيخ حسن إبراهيم الصانع (من مواليد 1931 ) في مقابلة أجريتها معه في الخامس عشر من أيار 2008 بأن "الشيخ إبراهيم عقد وليمة في بيته في نهاية عام 1935 للحاج أمين الحسيني، مفتي فلسطين والديار القدسية ورئيس المجلس الإسلامي الأعلى آنذاك، ودعا إليها كافة مشايخ المنطقة الذين أقسموا أمامه وأمام الحاج أمين على المصحف والسيف بعدم بيع الأرض لليهود. وخوفاً من تزييف ختمه وعقد صفقات مزيفة باسمه وضع الختم على فوهة البندقية وأطلق النار كي يعلم القاصي والداني بأنه لن يوقع على أية صفقة أو وثيقة رسمية بعد ذلك ".

وفي أثناء الثورة تكون في المنطقة فصيل مسلح عمل تحت قيادة الحاج حسن الإفرنجي الذي كان ذا ميول دينية وانتمى في نهاية الأربعينيات لحركة الأخوان المسلمين التي ساهمت بعض فصائلها المسلحة في معركة الدفاع عن بئر السبع والتي انتهت بسقوط المدينة وتهجير أهلها في الأسبوع الأخير من شهر تشرين أول عام 1948. 














وعن تهجير سكان الشريعة/ الزمارة يضيف الحاج حسن: "عند سقوط بئر السبع كنا ما زلنا موجودين في زمارة، وقسم منا كان موجوداً في اللقية، جاء إلينا رجلان يمثلان السلطة الجديدة واشتريا منا الحبوب، تركونا في أماكننا لفترة وجيزة، ولكنهما عادا وطالبانا بالرحيل بحجة قربنا من الحدود المصرية، وما يمكن لذلك أن يسبب من أخطار. بعدها تم تهجيرنا عنوة إلى اللقية، وأثناء عملية التهجير استشهد كل من عبد ربه جمعة الإفرنجي وأبو الوليد الوحيدي كما وأصيب بجراح خليل إبراهيم الصانع، هذا إضافة لسليمان محمد أبو بدر الذي كان من بين الذين استشهدوا مدافعين عن مدينة بئر السبع. كما وقامت السلطات الإسرائيلية،أثناء عملية التهجير، باعتقال كل من محمد إبراهيم الصانع وإبراهيم إسماعيل أبو سامح (أبو جابر).

في ربيع عام 1952 تعرض أبناء العشيرة الذين كانوا قد تجمعوا في اللقية إلى عملية تهجير ثانية، جرى من خلالها تهجيرهم إلى منطقة الرهوة (جنوبي منطقة الخليل) على حدود الضفة الغربية، التي كانت آنذاك تحت السيطرة الأردنية. أثناء عملية التهجير جرى اعتقال مجموعة من الرجال كان منهم : علي أبو عبيد، محمد محمود الجعّار، سعيد عبد الله الصانع وربيع أبو عصيدة وقد تم إيداعهم في سجن بئر السبع المركزي وقد ربطت السلطات أمر إطلاق سراحهم بموافقتهم على التهجير الطوعي ومن وافق على التهجير تم إطلاق سراحه. 

في هذه الفترة قدم الشيخ إبراهيم الصانع التماساً، من خلال المحامي حاييم كازوتس، للمحكمة العليا الإسرائيلية طالباً فيه إلغاء أمر الترحيل، ولكن السلطات لم تنتظر حتى تبت المحكمة بأمر الالتماس، بل قامت بإحضار الشاحنات التي نقلت السكان إلى غزة ومنطقة الرهوة. 

عن عملية التهجير هذه حدثني عليّان محمد إبراهيم الصانع (مواليد 1944 ) في مقابلة أجريتها معه في منتصف أيار 2008، حيث قال: "في البداية جرى حصار تام للسكان شهراً كاملاً دون السماح بإدخال أي طعام أو شراب تحت دعوى مقتل بعض اليهود واتهام أبناء العشيرة بالمشاركة في عمليات التهريب. بعدها جاء الجنود يركبون الشاحنات والجيبات والتنادر وحملوا السكان تحت تهديد العصي وتم إنزالهم في منطقة الرهوة. هناك قمنا ببناء مخيم للاجئين ومكثنا فيه أربعين يوماً. في هذه الأثناء صدر قرار المحكمة العليا القاضي بإلزام الحكومة الإسرائيلية بإرجاعنا إلى اللقية وقد ساعد على ذلك رفض الحكومة الأردنية القاطع لاستقبالنا. قبلت الحكومة الإسرائيلية القرار على مضض ولكنها نفذته بشكل جزئي، حيث لم تقبل إعادتنا إلى اللقية بل قامت بتهجيرنا للمرة الثالثة وهذه المرة إلى منطقة تل عراد القاحلة. تغلب السكان هناك على الظروف الصعبة فحفروا الآبار وأقاموا السدود وزرعوا الفواكه والخضار. أما الأبناء فتعلموا بداية في الكتاب، ثم قام الآباء بإرسالهم للدراسة في مدرسة كفر قاسم في المثلث الجنوبي حيث تولى مختار كفر قاسم آنذاك، المرحوم وديع صرصور، أمر إقامتهم". 

لم تكن الإقامة في تل عراد آخر المطاف في سلسلة تهجير العشيرة، فبعد إقامة هناك، مدتها خمسة وعشرون عاماً، لم تفلح هذه المدة الطويلة بإقناع الحكومة بالاعتراف بهم كنقطة سكنى شرعية بمعنى ربطهم بشرايين الحياة الحديثة وتمتعهم بحقوق مواطنتهم. حيث مارست سلسلة من الضغوطات الهادفة إلى تجميع التجمعات السكانية العربية في النقب عدد محدود من القرى والبلدات بشكل يقلص إلى حد كبير مساحة الأراضي التي بحوزتهم ويقومون باستعمالها منذ مئات السنين. وقد تم التوصل في النهاية إلى تسوية يعود من خلالها أبناء عشيرة القديرات إلى اللقية التي كانوا قد هجروا منها عام 1952

McNabulsy
 
 

الجنس : ذكر
الدولة :
عدد المساهمات : 1020
نقاط النشاط : 1444
تقييمك : 5
تاريخ التسجيل : 08/06/2015
العمر : 18

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://inkor.ibda3.info/

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

default رد: حلقات من دفاتر النكبة

مُساهمة من طرف McNabulsy في الخميس 17 مارس - 21:31

من دفاتر النكبة (3): 
حكاية مثلث الكرمل 





[/td][/tr][/table]




تظهر تسمية المثلث في القاموس الجغرافي - السياسي الفلسطيني في العديد من المناطق والسياقات التاريخية. فالمثلث الكبير هو مثلث المدن جنين – نابلس – طولكرم، وهي تسمية بريطانية أطلقها البريطانيون على هذه المنطقة في فترة الانتداب وقد شاع استعمالها أثناء ثورة 1936 -1939 والتي شكلت هذه المنطقة أهم بؤرها. 

في أثناء نكبة وحرب 1948 دعيت منطقتان باسم "المثلث"؛ الأولى "مثلث الساحل" التي عرفت أيضاً باسم "مثلث الكرمل" وأطلق عليه مصممو الرأي العام اليهودي آنذاك اسم "مثلث الرعب" أو "المثلث الصغير". أما المنطقة الثانية فهي المنطقة التي تم سلخها عن المثلث الكبير وضمها لإسرائيل في شهر أيار 1949 وذلك تنفيذاً لاتفاقية الهدنة في رودس، والتي أبرمت بين إسرائيل والأردن في نيسان 1949، والتسمية هنا تسمية مجازية لأن شكل هذا القطاع لا يمت لشكل المثلث بأية صلة فهو عبارة عن شريط طوله 70 كم وعرضه بالمعدل 5 كم. 

ينصب حديثنا في هذه المقالة حول قصة مثلث الساحل وقصة صموده أمام الهجمات اليهودية المتتالية منذ سقوط حيفا، المدينة الأم، في الثاني والعشرين من نيسان 1948 وحتى الرابع والعشرين من تموز 1948، حيث سقطت قرى هذه المنطقة تحت وطأة القصف الجوي المركّز. 

ضمت هذه المنطقة قرى إجزم وعين غزال وجبع والمزار وعين حوض التي كانت تقع على المنحدرات الجنوبية الغربية لجبال الكرمل ونقطة لقائها مع السهل الساحلي جنوبي حيفا. والمنطقة منطقة إستراتيجية تقع على الطريق الرئيسي الذي ربط حيفا مع منطقتي المركز والجنوب. 

كانت إجزم هي أكبر هذه القرى من حيث عدد السكان والأراضي (سكنها عشية النكبة قرابة 4000 نسمة وكانت مساحة أراضيها قرابة 45000 دونم ) وهي أكثر هذه القرى بعداً عن البحر (5كم ) وقد كانت تقع على هضبة داخلية منبسطة من هضاب الكرمل الغربية. وقد كان لها مركز إداري مؤثر في الفترة العثمانية المتأخرة. هذا مع العلم أنه كان لاجزم بعض الخرب الملحقة بها كخربة الماقورة وخربة الفشة وخربة المنارة وخربة أم الدرج وكان بعضها مأهولاً بالسكان. 

أما عين غزال فقد وقعت إلى الغرب من إجزم مع ميل طفيف نحو الجنوب وقد بلغ عدد سكانها عشية النكبة قرابة 3200 نسمة، ومجموع مساحة أراضيها نحو 23000 دونم. وقعت المزار وعين حوض إلى الشمال من إجزم وقد بلغ عدد سكان الأولى عشية النكبة قرابة 250 نسمة وبلغت مساحة أراضيها قرابة 8000 دونم، في حين بلغ عدد سكان عين حوض قرابة 800 نسمة ومساحة أراضيها 15000 دونم. أما جبع فقد بلغ عدد سكانها 1300 نسمة، في حين بلغت مساحة أراضيها قرابة 7000 دونم. 

بحكم قرب هذه القرى من مدينة حيفا والطرق الرئيسية، فقد ذاقت طعم الحداثة بفترة مبكرة نسبياً (قياساً لباقي مناطق الأرياف الفلسطينية) وعليه فقد كان سكانها على علاقة مع عمليات التحول الاجتماعي والاقتصادي والثقافي وقد برزت فيها بعض الشخصيات البارزة في هذه المجالات في الفترة العثمانية المتأخرة وفترة الانتداب كالشيخ يوسف النبهاني والمحامي معين الماضي من إجزم والكاتب الموسوعي إحسان عباس من عين غزال وغيرهم الكثيرين.

كما وكان لهذه المنطقة نشاط ملحوظ في الكفاح الوطني الفلسطيني في فترة الانتداب خاصة أثناء ثورة 1936 -1939 حيث نشط فيها أكثر من فصيل مسلح ( فصائل أحمد عبد المعطي، أحمد زيدان وعبد القادر أبو حمدة من اجزم، صبري الماضي من المزار، زيدان أبو الهيجا من عين حوض وسليمان الصعبي من عين غزال)، عملت هذه الفصائل جميعها في منطقة القيادة التابعة للشيخ عطية عوض من بلد الشيخ وبعده الشيخ يوسف أبو درة من السيلة الحارثية. وقد قدمت المنطقة ما يقارب الثلاثين شهيداً أثناء الثورة. 

بعد صدور قرار التقسيم في التاسع والعشرين من تشرين الثاني 1947 وبدء الصدامات المسلحة بين العرب واليهود، تشكلت في قرى المنطقة فرق للحراسة والمقاومة وقد كانت نواتها من قدماء فصائل ثورة 1936 -1939 ومن أعضاء النوادي التابعة لمنظمة النجادة التي تلقى أعضاؤها التدريبات العسكرية الأولية، كما وتواجدت هناك بعض المفارز التابعة لجيش الإنقاذ من المتطوعين السوريين والعراقيين والفلسطينيين. 

تعرضت قرى المنطقة لهجمات يهودية محدودة في شباط وآذار 1948، وقد أخذت هذه الهجمات بالازدياد بعد سقوط حيفا بغرض تأمين المواصلات اليهودية على طريق حيفا – يافا القديم. على اثر ذلك قام المسلحون في هذه القرى بضرب المواصلات اليهودية على هذا الطريق ومن ثم قطع المرور نهائياً في أيار 1948. حاولت القوات الإسرائيلية فتح الشارع أكثر من مرة، بل أنها حاولت كسر الروح المعنوية لمقاتلي القرى من خلال محاصرتها وقصفها بشكل متقطع، ثم تطورت هذه الهجومات بعد سقوط قرية طيرة الكرمل المجاورة في السادس عشر من تموز 1948 وتضييق الخناق على تلك القرى.

وقد أفشل المقاومون هجومين بريين محدودين في الثامن والتاسع عشر من تموز، ولكن ذلك لم يمنع القوات الإسرائيلية من معاودة الكرّة في الفترة الواقعة بين الرابع والعشرين والسادس والعشرين من تموز، وهذه المرة بمساندة سلاح الجو الذي بدأ يمهد للهجوم بقصف تلك القرى منذ الحادي والعشرين من تموز، وقد نجح بدك مواقع المدافعين دكاً، ولم يترك لهم هذه المرة أيه فرصة لصد الهجوم. 

وقع الهجوم الإسرائيلي في فترة الهدنة الثانية التي تم التوصل إليها بوساطة دولية وقد أطلق عليه اسم "عملية شوطير" أي "عملية الشرطي" ( قد يكون أصل التسمية جاء ليصف هدف القوات الإسرائيلية المعلن، كما رددته وسائل الإعلام الإسرائيلية في حينه، وهو عقاب سكان القرى تلك بسبب قطع الشارع الرئيسي وقنص المسافرين اليهود). 

وصف عبد الله التل، قائد الجيش الأردني في قطاع القدس، في كتابه "كارثة فلسطين " (ص 300 ) ما وقع في القرى تلك قائلاً: "وقد مهد اليهود لاعتداءاتهم على هذه القرى بأن أخذوا يذيعون أنها تقوم بأعمال تخريبية في إسرائيل وتهاجم طرق مواصلاتهم. وفي 1948. 7. 21 بدأت الطائرات الإسرائيلية تقصف هذه القرى الآمنة التي اطمأنت إلى الهدنة. وقد استمر قصف القوات اليهودية لها عدة أيام زحف بعدها الجيش اليهودي فاحتل هذه القرى بعدما انسحب منها أغلب أهلها وأسر الباقون وقتل منهم ما يزيد على مائة، وأزالوا جبع وعين غزال من الوجود. وقد ادعى اليهود أنهم إنما يقومون بأعمال بوليسية لحماية دولتهم، ولم تنفع شكوى العرب، ولا تحقيقات هيئة الرقابة وتقاريرهم". 

أما المؤرخ الإسرائيلي بيني موريس فيصف ما حصل في كتابه "نشوء قضية اللاجئين الفلسطينيين" (ص 285 في النص العبري) قائلاً: " كانت العملية الكبرى ]في فترة الهدنة[ تلك التي هاجمت فيها قوات من ألوية ألكسندروني، كرميلي وجولاني في الرابع والعشرين والسادس والعشرين من تموز المنطقة المسماة "المثلث الصغير" في المنحدرات الغربية للكرمل، وفيه القرى الكبيرة الثلاث جبع، إجزم وعين غزال. في هذه القرى التي أشرفت على مسافة من الجزء الشمالي لشارع تل أبيب – حيفا. 

وحسب التقدير الإسرائيلي، تواجدت في هذه القرى قوات غير نظامية، في حين نجح القناصون من هذه القرى بتشويش حركة المواصلات اليهودية على هذا الشارع منذ بداية الحرب.... في الثامن عشر من تموز قتل مسافران يهوديان بالقرب من جبع، بعد هذه الحادثة تم تحذير السكان بأن يستسلموا أو يخلوا القرى، وقد رفضوا الاقتراحين كما يبدو تحت تأثير قوات غير نظامية كانت متواجدة هناك. 

في الثامن عشر والتاسع عشر من تموز قام الجيش الإسرائيلي بهجوم أول على القرى وقد تم إفشال هذا الهجوم. بعد ذلك بدأت سلسلة من القصف المتقطع من البر ومن الجو. في الرابع والعشرين من نفس الشهر كان الهجوم النهائي الذي تمت تسميته "شوطير" قبل ذلك هرب معظم السكان، وغداة بدء الهجوم قصفت القرى بنيران شديدة من المدافع والطائرات (لقد كذب موشيه شرتوك وزير الخارجية عندما قال للوسيط الدولي في الثامن والعشرين من أيلول بأنه لم يتم استعمال الطائرات في الهجوم ). في موجات الهجوم المختلفة على تلك القرى قتل العشرات من المدنيين والمسلحين وبعض اللاجئين الذين جاؤوا إليها من قرى أخرى".

لقد واكبت عملية احتلال هذه القرى وتهجير سكانها اتهامات وشكاوى من قبل مهجري القرى أنفسهم وممثلي الجامعة العربية حول أعمال قتل وحرق لجثث ما يقارب 30 شخصاً (معظمهم لاجئون من قرية الطيرة ) قامت بها القوات المهاجمة خاصة في قرية عين غزال. وقد فحص الوسيط الدولي هذه الشكاوى وكتب في تقرير قدمه لمجلس الأمن أن الفحص الذي قام به رجاله لم يكن بوسعه أن يثبت حصول تلك التجاوزات. كما جاء في ذلك التقرير: " لم يكن للهجوم الإسرائيلي ما يبرره، خاصة أنه كان هناك اقتراح من سكان القرى للتفاوض. ولكن القوات الإسرائيلية أجبرت السكان على ترك قراهم".

كما ونوه التقرير إلى الهدم المبرمج لجبع وعين غزال، ودعا إسرائيل إلى إعادة السكان إلى بيوتهم وتعويض كل أولئك الذين تضررت بيوتهم. لم تفح هذه الأقوال بإقناع السلطات الإسرائيلية بإرجاع اللاجئين إلى قراهم، بل إنها بادرت إلى طرد القليلين من سكان إجزم الذين بقوا في بيوتهم حتى عام 1951، هذا مع العلم أنها لم تنف قضية حرق الجثث في عين غزال، حيث قال ممثل إسرائيل في الأمم المتحدة " إن الجيش الإسرائيلي قام بحرق 25 -30 جثة وجدت في عين غزال في الخامس والعشرين من تموز وهي في وضع تعفن متقدم ". 

لقد أكدت روايات شفوية جمعتها من بعض سكان هذه القرى أن العديد من المدنيين والمدافعين ماتوا حرقاً تحت وطأة القصف الجوي الذي تعرضت له هذه القرى، وقد كانوا بلا غطاء جوي يمنع عنهم حمم الطائرات المهاجمة. 

لجأ الكثيرون من سكان هذه القرى إلى العراق ( كان ذلك بسبب العلاقات الخاصة التي ربطت السكان ببعض مفارز من المتطوعين العراقيين الذين شاركوا بالدفاع عن تلك القرى أو ساهموا بجلب المؤن لها، أثناء فترة الحصار، من وادي عارة حيث كانت تعسكر بعض وحدات الجيش العراقي). كما وتتواجد أعداد منهم في مخيمات اللجوء في الضفة الغربية والأردن ولبنان وبعض القرى العربية داخل الخط الأخضر

McNabulsy
 
 

الجنس : ذكر
الدولة :
عدد المساهمات : 1020
نقاط النشاط : 1444
تقييمك : 5
تاريخ التسجيل : 08/06/2015
العمر : 18

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://inkor.ibda3.info/

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

default رد: حلقات من دفاتر النكبة

مُساهمة من طرف McNabulsy في الخميس 17 مارس - 21:32

من دفاتر النكبة (4): 
معركتا الكابري وقصة تهجيرها


الكابري قرية عربية من قرى الجليل كانت تتبع قضاء عكا وتبعد عنها حوالي 12كم باتجاه الشرق. بلغ عدد سكانها عشية النكبة حوالي 1600 نسمة ومساحة أراضيها قرابة 38،000 دونم (غير المشاع والمراعي ). كانت هذه القرية نشيطة جداً في ثورة 1936 -1939 حيث كانت إحدى المحطات التي لجأت إليها فصائل الثورة التابعة لقائد المنطقة خليل العيسى ( أبو إبراهيم الكبير ).

تميزت الكابري بجمال مبانيها وسعتها خاصة مباني كبار الملاكين أمثال فارس أفندي سرحان. في أراضي القرية تواجدت عيون الماء التي زودت عكا بالمياه خاصة عين الباشا ( تم تسميتها بعد عام 1948 "عين هشيراه" أي عين القافلة والإشارة هنا للقافلة المتوجهة إلى مستوطنة يحيعام والتي تم إيقافها في قرية الكابري ) وعين العسل ( وتدعى بالعبرية "عين تسوف") التي كانت مياهها تنقل من خلال قناة محمولة على قناطر مازالت أجزاء ومقاطع منها ماثلة للعيان شاهدة على مجد غابر. 

وبحكم تحكمها بهذا المصدر الهام الذي كان يرفد عاصمة القضاء بالمياه فقد أصبحت الكابري موقعاً استراتيجياً تتوفر للقائمين فيه أو المسيطرين عليه مصادر القوة والنفوذ. وقد وصف دوف يرمياهو، أحد الضباط اليهود الذين عملوا في المنطقة، قرية الكابري، في مقابلة أجريت معه في آب 1996، قائلاً : " كانت الكابري قرية كبيرة، مبانيها فخمة سكنها أناس أغنياء، بنوا قصوراً جميلة". 




معركة الكابري الأولى 
ترتبط قصة معركة الكابري الأولى (27/03/1948) بما جرى في حيفا في السابع عشر من نفس الشهر، حيث قامت قوات "الهاجاناه" المستحكمة في قريات "موتسكين" بمهاجمة قافلة عربية محملة بالسلاح كانت قادمة من لبنان يقودها الضابط الأردني محمد الحنيطي، قائد الحامية العسكرية العربية في حيفا، ويرافقه الشيخ نمر الخطيب أحد أبرز القيادات العربية في حيفا آنذاك. 

كانت القافلة محملة بكميات كبيرة من الذخيرة والمتفجرات والعتاد، وقد نجح الكمين اليهودي بتفجير الشاحنات المحملة بالذخيرة وقتل 15 رجلا من رجالها بينهم الشهيد محمد الحنيطي، في حين أصيب الشيخ نمر بإصابات خطيرة نقل على أثرها إلى دمشق لتلقي العلاج ولم تطأ قدماه بعد ذلك أرض حيفا. بعد هذه الحادثة قامت حامية عكا العربية بقطع الطريق بين حيفا والجليل الغربي الشيء الذي عزل المستوطنات اليهودية في الشريط الساحلي الشمالي ومنطقة الجليل الأعلى. 

في الرابع والعشرين من آذار 1948 قام ضابط بريطاني من القوات البريطانية التي كانت ما زالت مرابطة في حيفا بالتوسط بين قيادة "الهاجاناه" وقائد حامية عكا العربية، وأدت هذه الوساطة إلى اتفاق لعدم التعرض للقوافل المحملة بالمؤن للمستوطنات المعزولة. وقد نجح هذا الاتفاق بإيصال القوافل المحملة إلى نهاريا، متسوبا، حنيتا وأيلون، في حين لم تفلح أطراف الاتفاق بحل قضية "يحيعام".

كان كيبوتس "يحيعام"، التابع لحركة "هشومير هتسعير"، قد أقيم في قلعة جدين وما حولها في تشرين الثاني عام 1946 وقد بلغ عدد سكانه في آذار 1948 ستين نسمة. لقد كان على الراغب بالوصول إلى هذا الكيبوتس أن يمر من جانب قرى عربية كقرى النهر والكابري وترشيحا والتي تواجدت فيها بعض وحدات من المتطوعين العرب التابعة لجيش الإنقاذ وبعض الفصائل المحلية المسلحة. 

في السادس والعشرين من آذار خرجت قافلة يهودية محملة بالمؤن والذخائر العسكرية من حيفا إلى نهريا ومتسوبا وأيلون وقد قامت قوات من لواء "كرميلي" بمرافقة القافلة التي وصلت إلى هدفها دون أية عقبات. شجع ذلك قيادة "الهاجاناه" على التخطيط لإرسال قافلة مماثلة إلى "يحيعام"، هذا على الرغم من وصول إخبارية لجهاز "الشاي" في حيفا تفيد بوجود نوايا لدى أديب الشيشكلي ( قائد وحدات جيش الإنقاذ في المنطقة آنذاك والرئيس السوري فيما بعد في السنوات 1949 -1955 ) لمهاجمة نهاريا و"يحيعام" ومستوطنات يهودية أخرى. 

انطلقت القافلة اليهودية بقيادة بن عامي فيختر في صباح يوم السابع والعشرين من آذار من "قريات حاييم" إلى نهريا ومن هناك أكملت طريقها في الظهيرة إلى "يحيعام". كانت القافلة مكونة من حافلة ومجموعة من الشاحنات المدرعة يحرسها تسعون جندياً كانوا يتبعون الفرقة 21 من لواء "كرميلي". نصبت القوات العربية لهذه القافلة كميناً استحكم رجاله لدى التواء الطريق بالقرب من مقبرة قرية الكابري. سمح رجال الكمين للسيارة الأولى بالمرور (أكملت طريقها ووصلت إلى يحيعام)، في حين أمطروا رفيقاتها بالحمم من رصاص وقنابل ومتفجرات. 

كانت الإصابات التي حلت بالشاحنات والمدرعات كافية لإيقاف القافلة، حيث وقع العديد من الجنود اليهود بين قتيل وجريح، وقد تحصن من تبقى منهم حيّاً في المدرعات في حين نجحت المدرعة الأخيرة في القافلة بالالتفاف والعودة باتجاه نهريا، ولكنها توقفت بعد مهاجمتها مجدداً من قبل فصيل عربي مسلح في قرية النهر.

بقيت المعركة متواصلة حتى حلول الظلام حيث استطاع بعض من بقي على قيد الحياة من رجال القافلة بالهرب تحت جنح الظلام تاركين وراءهم المعدات والمؤن والشاحنات. كانت حصيلة هذه المعركة مقتل 47 من القوات المرافقة للقافلة والاستيلاء على القافلة وما كان فيها من مؤن وذخائر. 




معركة الكابري الثانية: التهجير 
كانت نتائج معركة الكابري الأولى مؤلمة جداً للجانب اليهودي، فبالإضافة للخسائر البشرية الفادحة، لم تحقق المبادرة أهدافها بالوصول إلى المستوطنات المعزولة ، بل ازداد وضع تلك المستوطنات سوءاً الشيء الذي جعل قادة الدولة الوليدة في منتصف أيار/مايو بالتفكير ملياً بتغيير الوضع الذي آلت إليه تلك المستوطنات. وعليه فقد تم وضع خطة لاحتلال وتهجير القرى العربية المسيطرة على مفارق الطرق المؤدية للمستوطنات اليهودية في المنطقة وقد عرفت هذه الخطة باسم "بن عامي 2 " تبدو معالم هذه الخطة واضحة في الأمر الميداني الذي تم توجيهه للقوات العاملة في المنطقة وقد جاء في بند المهام :

" 1. فتح الطريق الموصلة ليحيعام وتمرير المؤن إلى هناك لمدة ثلاثة أشهر.
2. الهجوم بقصد احتلال وقتل الرجال وهدم البيوت وحرقها في قرى الكابري، أم الفرج والنهر".

إن تسمية العملية باسم "بن عامي" (قائد القافلة في آذار والذي كان بين القتلى في المعركة ) والحديث عن قتل الرجال وهدم المنازل وحرقها واستخدام جنود الوحدة نفسها التي شاركت في المعركة الأولى (الفرقة 21 من لواء كرميلي) يمكن تفسيره بالرغبة في الانتقام من سكان تلك القرى وخاصة قرية الكابري بسبب الفشل الذريع الذي منيت به تلك الفرقة في معركة السابع والعشرين من آذار، والرغبة بالرد على ذلك الفشل وبكل ثمن.

بعد سقوط عكا والقرى المحيطة بها ( الزيب، المنشية، الكويكات والبصة ) في السادس والسابع عشر من أيار 1948، بدأت معنويات المدافعين عن الكابري بالتراجع، خاصة وأن وحدات المتطوعين العرب كانت قد غادرت القرية خاصة بعد القصف المركز الذي كانت قد تعرضت له القرية في العشرين من أيار 1948.

في الحادي والعشرين من الشهر ذاته دخلت القوات الإسرائيلية القرية من جهة الغرب وكان معظم سكانها قد اضطروا لمغادرتها تحت وطأة القصف في اليوم السابق وخاصة إلى منطقة ترشيحا. عند احتلال القرية لم تكن هناك مقاومة كما قال دوف يرميا، قائد إحدى الوحدات التي دخلت القرية، في المقابلة المشار إليها أعلاه: " جئنا لاحتلال القرية ولم يكن واضحاً لنا إذا كانت هناك قوات مقاومة أم لا، هذا مع العلم أنه وصلت للمخابرات العسكرية معلومات عن تركهم القرية. تقدمنا ولم تطلق أية طلقة، لم يبق إلا القليل من سكان القرية، ومن الذين بقوا أخذ أحد الضباط سبعة أو ثمانية شباب لسد الحفر التي كانت في الشارع بقصد إعاقة تقدم قواتنا، لقد رأيت بأم عيني كيف أوقفهم في صف وقام بحصدهم. بعضهم قتل في الحال والبعض الآخر نجحوا بالهرب. كان هذا العمل الأول، وبعد أن أكملنا الاحتلال (كانت البداية في الصباح وعند الظهر انتهى كل شيء) بدأوا في اليوم ذاته بهدم القرية. نبعت عملية الهدم من دافع الانتقام بسبب ما جرى للقافلة ".

المعلومات الواردة في شهادة يرميا أكدها صادوق إيشيل في كتابه (ص 173 ) حول أداء لواء كرميلي في الحرب وأكد أن معظم محتويات سيارات " قافلة آذار" تم العثور عليها في بيوت الكابري واسترجاعها

McNabulsy
 
 

الجنس : ذكر
الدولة :
عدد المساهمات : 1020
نقاط النشاط : 1444
تقييمك : 5
تاريخ التسجيل : 08/06/2015
العمر : 18

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://inkor.ibda3.info/

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

default رد: حلقات من دفاتر النكبة

مُساهمة من طرف McNabulsy في الخميس 17 مارس - 21:33

من دفاتر النكبة (5):
مقدمات سقوط حيفا: كمين قريات موتسكين واستشهاد محمد الحنيطي وسرور برهم../
كان لسقوط مدينة حيفا العربية، في الثاني والعشرين من نيسان 1948، بأيدي قوات \\"الهاجاناة\\" اليهودية أبعد الأثر على تردي معنويات العرب في فلسطين قاطبة، وفي قضاء حيفا وما جاوره من أقضية فلسطين الانتدابية. 

ينطبع شهر نيسان عام 1948 في الذاكرة الفلسطينية شهراً دامياً تراجعت فيه معنويات الشعب الفلسطيني إلى حد كبير، وبالمقابل قويت شوكة القوات اليهودية التي أخذت فيه زمام المبادرة، وبدأت بمهاجمة القرى والمدن العربية وتهجير أهلها، خاصة في المناطق التي كانت مخصصة للدولة اليهودية حسب قرار التقسيم. 

في بداية نيسان، وفي السادس حتى الثامن منه على وجه التحديد، فشل الهجوم الذي كانت قد شننته قوات جيش الإنقاذ بقيادة فوزي القاوقجي على كيبوتس \\"مشمار هعيمق\\". وقد كانت النتيجة المباشرة لهذا الفشل هجوم يهودي مضاد احتلت من خلاله قرى قيري وأبو شوشة وأبو زريق والغبيات والنغنغية وهجر أهلها، في حين تم عزل قرى أخرى كثيرة في منطقتي بلاد الروحة والكرمل الجنوبي. وفي الثامن والتاسع من الشهر ذاته توالت الضربات القاصمة في استشهاد عبد القادر الحسيني، قائد جيش الجهاد المقدس وسقوط القسطل في الثامن ومذبحة دير ياسين التي صاحبت سقوط تلك القرية وجاراتها غداة ذلك اليوم. 

هذه الأحداث وغيرها زعزعت بشكل كبير معنويات المدافعين عن مدينة حيفا وأعضاء اللجنة القومية فيها، وقد تكون قد ساهمت في انهيار المقاومة في العشرين منم نيسان ومن ثم سقوط المدينة النهائي في الثاني والعشرين بعد معارك دامية في بعض المواقع خاصة في محيط مقر منظمة النجادة ومسجد الشيخ عبد الله. 

ولكن الحدث الذي سبق ذلك كله وقضى بشكل شبه نهائي على أمل الحيفاويين بالدفاع عن مدينتهم كان، بلا شك، سقوط قافلة الذخيرة والعتاد التي قادها الضابط الأردني الشهيد محمد الحنيطي، قائد حامية حيفا، في كمين للقوات اليهودية على مشارف حيفا الشمالية قرب مستوطنة \\"قريات موتسكين\\"، ذلك الكمين الذي استشهد فيه بالإضافة للحنيطي المجاهد سرور برهم، قائد جمعية الكف الأسود في حيفا وأحد تلامذة الشيخ عز الدين القسام البارزين. كما وأصيب في الكمين ذاته الشيخ محمد نمر الخطيب رئيس جمعية الاعتصام الحيفاوية وأحد أهم أعضاء اللجنة القومية في حيفا. 

وعن طبيعة المهمة التي قام بها الحنيطي في سوريا وقصة القافلة يقول الزعيم الحيفاوي رشيد الحاج إبراهيم في مذكراته (ص 89 ): \\" بيوم 11/03/1948 وبناء على مخابرات سابقة وتعيين موعد لقاء مع اللجنة العسكرية أرسلت إلى دمشق قائد حاميتنا العسكرية محمد الحنيطي وكان يرافقه أربعة من الحرس في سيارة خاصة، كان سفرهم عن طريق الناقورة –بيروت. ولدى وصوله وإطلاعه المسؤولين في اللجنة على حقيقة الوضع وما تحتاجه الحامية من أنواع الأسلحة لدرء الأخطار وزد منها بكميات لا بأس بها ثم شحنها في سيارتي كميون وكانت تحتوي على السلاح والذخائر والألغام وكميات من مدافع وقنابل الهاون والهوشكس. وفي صباح يوم 17/03/1948 واصلت هذه القافلة مسيرها من بيروت إلى حيفا مارة بمدينة صيدا، وكانت مكونة من سيارتي كميون وسيارة خاصة تقل القائد ورفاقه الأربعة، وفي صيدا انضم إليها أربعة من العرب كان منهم الشاب الوطني المجاهد أحمد محمود عمورة وثلاثة آخرون ومعهم خمس سيرات وخمسة سائقين\\".
قطعت القافلة الحدود اللبنانية وكان قد انضم لها اثنا عشر مقاتلاً من حامية حيفا، بحيث أصبح عدد جميع أفرادها 24 شخصاً. في صباح اليوم ذاته ومرت من عكا ولم تتوقف هناك، رغم نصائح البعض للقائد الحنيطي بالتوقف في عكا طلباً للراحة، وبغرض فحص الطريق إلى حيفا بشكل يسهل وصولها بأمان. لم يستمع الحنيطي لنصائح مساعده سرور برهم ولا لإلحاح القادة العكيين ومطالبتهم إياه بالمبيت في عكا. بعد مرور القافلة من عكا انضم لها سبعة حراس جدد كانوا قد بعثوا من قبل اللجنة القومية في حيفا ليصبح عدد المسافرين 31 شخصاً.

عند مرور القافلة في مفرق قريات موتسكين اعترضتها سيارات يهودية أدت إلى توقفها ووقوعها هدفاً لكمين محكم التدبير أمطر القافلة بالرصاص وأدى إلى استشهاد خمسة عشر من مرافقيها، بمن فيهم القائد محمد الحنيطي وسرور برهم وفخري البرد وإصابة الشيخ نمر الخطيب بجراح بالغة نقل على إثرها لدمشق للعلاج ولم يعد من يومها إلى حيفا. انفجرت إحدى الشاحنتين الكبيرتين بما فيها من ذخيرة وأحدث انفجارها دوياً هائلاً في حين أفلتت الثانية وسيارة خصوصية أخرى وعادتا إلى عكا. 

وتفيد أغلب الروايات أن الذي قام بتفجير الشاحنة كان الشهيد سرور برهم الذي كان قد رأى استشهاد القائد وصحبة ففضل أن يفجر نفسه والشاحنة كي لا تقع غنيمة بيد القوات اليهودية. والشهيد سرور برهم من مواليد 1903 وقد كان قد انضم للفصائل المسلحة التي أقامها الشيخ عز الدين القسام في مطلع الثلاثينات في منطقة حيفا والشمال، وفي أثناء ثورة 1936 – 1939 كان مسؤولاً عن تزويد فصائل الثورة بالمؤن والذخيرة وتزعم تنظيم الكف الأسود الذي لاحق سماسرة الأراضي والعملاء. 

أما الشهيد محمد حمد الحنيطي فهو أردني الأصل من مواليد 1913 تطوع لنجدة الفلسطينيين عند بدء الصدامات بين العرب واليهود على اثر قرار التقسيم عام 1947. وقد عين قائدا لحامية حيفا العسكرية في شهر كانون الثاني 1948 وقد شهد له كل من عرفه بالحمية الوطنية والقومية وحسن الخلق والاستقامة وقد جرح في ذراعه قبل سفره إلى دمشق وعولج في مستشفى الأمين في حيفا. في الثامن عشر من آذار نقا جثمانه إلى الأردن ليوارى الثرى هناك. 

والشيخ محمد نمر الخطيب، وهو من مواليد 1905، انتمى هو الآخر لجماعة الشيخ القسام وشارك في فعاليات الخلايا السرية المسلحة التي أقامها لمقاومة الانتداب البريطاني والنشاط الصهيوني، أثناء ثورة 1936 -1939 شارك في فعاليات لوجستية داعمة للثورة وسجن قرابة السنة في سجن المزرعة. وفي الأربعينات كان من مؤسسي جمعيات إسلامية في حيفا، منها جمعيتا الاعتصام وفتيان محمد، كما كان مسؤولا عن لجنة مقاطعة الفعاليات والبضائع اليهودية في حيفا. بعد إصابته ورحلة استشفائه إلى دمشق كتب كتاباً عن النكبة ونشره عام 1951 وبعده انتقل للمملكة العربية السعودية حيث تدرج في مناصب دينية متعددة وأصبح أحد كبار علماء المدينة المنورة. في عام 2005 بلغ عن حفل تكريم أقيم له في المدينة المنورة بمناسبة بلوغه المائة عام. 

بمغادرة هؤلاء الثلاثة ساحة الدفاع عن حيفا، فقدت المدينة وحاميتها الكثير من الخبرة والقدرة على التنظيم وبث الحماسة، ورغم محاولة رشيد الحاج الإبراهيم، الزعيم السياسي الأبرز في حيفا، التقليل من وقع كارثة القافلة على معنويات المقاتلين العرب في حيفا، إلا أننا نستطيع أن نقول أن هذا الحدث (وأحداث نيسان اللاحقة التي ذكرناها أعلاه ) كانت بمثابة البداية لخلخلة القدرات العسكرية وآمال الصمود لحامية حيفا. 

المصادر اليهودية تذكر هذا الحدث كنقطة تحول قادت في النهاية لاحتلال الأحياء العربية. ولعل العبرة مما حدث في حيفا تكمن فيما رواه الأخوان جون ودافيد قمحي في كتابهما \\"من جانبي التلة\\" حول الطريقة التي حصلت فيها \\"الهاجاناه\\" في حيفا لخبر وصول القافلة وتحركاتها منذ قطعها الحدود اللبنانية حيث قالا: \\"كان للهاجاناه في حيفا طرق خاصة بها للحصول على المعلومات، حيث اندس أحد عملائها في الهيئة التي أدارت السياسة العربية في المدينة. بهذا الشكل نجحت بالإمساك، مقابل ثمن بلغ خمسين جنيهاً لكل قافلة، ليس اقل من تسع قوافل من مجموع إحدى عشرة قافلة نقلت العتاد والسلاح للعرب في حيفا

McNabulsy
 
 

الجنس : ذكر
الدولة :
عدد المساهمات : 1020
نقاط النشاط : 1444
تقييمك : 5
تاريخ التسجيل : 08/06/2015
العمر : 18

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://inkor.ibda3.info/

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

default رد: حلقات من دفاتر النكبة

مُساهمة من طرف McNabulsy في الخميس 17 مارس - 21:33

من دفاتر النكبة (6):
حكاية طيرة بني صعب ومعارك عام 1948
طيرة بني صعب هي واحدة من قرى فلسطينية خمس يحملن هذا الاسم ( الأخريات طيرة الكرمل، طيرة دندن قضاء الرملة، طيرة بيسان وطيرة رام الله ) ومعناها الحصن أو القلعة المشرفة. 

كانت الطيرة تتبع في عهد الانتداب البريطاني قضاء طولكرم وقد عدت جزءاً من ناحية قرى الصعبية الواقعة جنوبي طولكرم وقد جاء جزء كبير من سكانها من قرية باقة الحطب في الفترة المملوكية المتأخرة وفي العهد العثماني. 

منذ بداية عهد الانتداب شارك أبناء الطيرة في الحركة الوطنية الفلسطينية، ففي عام 1921 قاد عبد المنان الشيخ نجيب عبد الحي فصيلاً من شباب الطيرة شاركوا في الانتفاضة التي قادها الشيخ شاكر أبو كشك، والتي انطلقت شرارتها من قرية تبصّر (خربة عزون). وفي ثورة 1936 – 1939 كانت الطيرة من أوائل القرى الفلسطينية التي تشكل فيها فصيل مسلح، وكانت مقراً وملجأ للثوار خاصة الفصائل التابعة للقائدين عبد الرحيم الحاج محمد وعارف عبد الرازق. وقد استشهد من سكان الطيرة أثناء الثورة ونتيجة للتنكيل البريطاني بالسكان والثوار على حد سواء، كل من: حسين مصطفى الجمال، سعيد سلطاني ومحمد أبو عزيز. 

مع بداية المناوشات في نهاية عام 1947 تم تشكيل لجنة قومية تألفت من حسن العبد الله ورفيق النجيب وعبد الرؤوف سمارة. وكانت مسؤولة عن تنظيم الدفاع والحراسة عن الطيرة. واستعانوا بقدامى ثورة 1936 -1939 وأعضاء المنظمات الشبابية شبه العسكرية النجادة والفتوة والتي كان لكليهما فروع في الطيرة. وبعد قدوم جيش الإنقاذ في شباط 1948 تولى ضباط هذا الجيش الأمور الأمنية في القرية.

وقام قائد وحدات المتطوعين الضابط العراقي صادق شنشل (أصبح رئيساً لأركان الجيش العراقي فيما بعد ) ببناء خط من نقاط الحراسة المشرفة، وعرفت كل نقطة من هذه النقاط باسم "الرابية " أو " الطابة "، وتم بعث مجموعة من شباب الطيرة بلغ عددهم قرابة 30 شاباً ممن تم تجنيدهم لوحدات جيش الإنقاذ إلى معسكر التدريب في قطنة في سورية. وعن ذلك يقول أحد هؤلاء وهو خالد عبد الرحيم خاصكية ( من مواليد 1927 ) في مقابلة أجريناها معه في نيسان 2004: " في البداية جمعونا في مخيم نور شمس بجانب طولكرم وبعدها بعثونا لمركز التدريب في قطنة، وبعدها تم توزيعنا على مناطق مختلفة. في البداية كنت أنا في قرية السجرة وبعدها انتقلت إلى قلنسوة ومن هناك إلى الطيرة واشتركت في معركة الطيرة الأولى المعروفة بمعركة يوم الخميس وقد وقعت في 1948. 5. 13 ". 

وعن قضية التنظيم والواجبات الملقاة على المتطوعين يقول الراوي نفسه: " كان في الطيرة من 10 -15 طابة وعن كل طابة كان مسؤول ضابط ومعه من 8-10 جنود يتناوبون على الحراسة والدورية. كل شيء كان يسير حسب النظام، وكنا نتقاضى مرتبات من الجيش العراقي لكل متطوع لباس عسكري ومرتب بلغ عشر ليرات فلسطينية في الشهر. الضابط المسؤول عن الطابة التي حرست فيها كان عراقي اسمه مجيد". 

خاضت الطيرة أربع معارك دامية في الفترة الواقعة من أيار 1948 وحتى تسليمها لإسرائيل، تبعاً لاتفاقية الهدنة مع الأردن، في أيار 1949. وقعت المعركة الأولى في الثالث عشر من أيار وقد كانت قوات "الهاجاناه" هي التي بادرت لها حين قامت فرقة مسلحة تابعة لها بمهاجمة الطيرة من الغرب، حيث تواجدت مستوطنة كفار "هيس" والتي تبادلت النيران مع الطيرة على فترات متقطعة منذ كانون الأول 1948.

في وثيقة وجدناها في أرشيف "الهاجاناه" تم وصف المعركة بشكل تفصيلي من خلال تقرير كتبه ضابط الاستخبارات التابع للوحدة المهاجمة حيث قال: "كانت مهمة العملية إزعاج الطيرة من جهة كفار "هيس". وقد بدأت تمام الساعة الحادية عشرة صباحاً حيث تم في البداية الاستيلاء على بعض النقاط المشرفة والواقعة جنوبي كفار هيس، وعندما لم نجد أية مقاومة عربية توجهنا صوب الطيرة. بعد مسيرة قرابة 200 وقعت قواتنا في كمين عربي جدي حيث فتحت علينا النيران من الأسلحة الخفيفة والأوتوماتيكية، قتل البعض على الفور في حين جرح عدد كبير من رجالنا. أدخلت هذه الوقائع قواتنا إلى حالة من الهلع، وعندما شرعت هذه القوات بالانسحاب المنظم لم يكن ذلك بمتناول اليد بسبب ازدياد النيران العربية قوة، الشيء الذي جعل المقاتلين يتشتتون ويهربون حيث قام بعضهم برمي سلاحه وهو يلوذ بالفرار. قسم كبير من رجالنا لم يستطع التخلص من قبضة العدو وبقي في ميدان المعركة جرحى وقتلى".

كانت حصيلة المعركة 20 قتيلاً من المهاجمين وقرابة الثلاثين جريحاً وأربعة من المفقودين الذين لم تعرف آثارهم حتى يومنا هذا. في حين كانت خسارة الطرف العربي أربعة من الشهداء (محمد الطه، عبد الحافظ أسعد، أبو عثمان من مسكة ومحمد الحموي من المتطوعين السوريين ) وسبعة من الجرحى. 

تجاهلت المصادر اليهودية هذه المعركة إلى حد كبير. وفي مقابلة أجراها جيورا إيلون مع قائد العملية ميخائيل شابيط ( نشرها في ملحق يديعوت أحرونوت في منطقة الشارون، 26/07/1996 قال الأخير محاولاً تعليل الفشل: "عشية يوم الثاني عشر من أيار 1948، وفي حرش في مركز كفار هيس، تم تجميع 120 مقاتلا، إذا كان بالإمكان تسمية هؤلاء الشبيبة قليلي التجربة باسم مقاتلين، فقد كان قسم منهم طلاباً في مدرسة مقفيه يسرائيل وقد توقف تعليمهم بسب الهجوم العربي المتوقع. لم تكن المشاعر ثقيلة قبل المعركة بل على العكس من ذلك كانت هناك فرحة وترددت الأقوال في كفارهيس حول عملية احتلال الطيرة المنتظرة. يعقوب بري قائد فرقة عين فيرد ذهب إلى البيت لإحضار بتيفون "كي يحتفل في الطيرة المحتلة". 

جرت المعركة الثانية في الرابع عشر من أيار حين تمت مهاجمة الطيرة على محورين واحد من جهة "رمات هكوبيش" والثاني من جهة كفار "هيس"، وقد كان الهجوم الأول تمويهياً قصد إشغال محاربي الطيرة ليتسنى للمهاجمين من كفار هيس سحب جثث القتلى ومن تبقى من الجرحى على قيد الحياة من معارك اليوم السابق. 

صمد مدافعو الطيرة ولكن القوات المهاجمة التي كانت هذه المرة مدعومة بقوات من لواء "جبعاتي" استطاعت الوصول إلى مشارف البيوت خاصة من المحور الغربي. وقد أنقذ الموقف وصول نجدات من طولكرم وقرى محيطها ونجدة كبيرة من قرية سيلة الظهر ساهمت في صد الهجوم بعد ست ساعات من القتال المتواصل الذي وصل في بعض الأماكن إلى الالتحام بالسلاح الأبيض. استشهد في هذه المعركة أربعة من المقاتلين العرب وأصيب العشرات الذين نقلوا إلى المشافي في طولكرم ونابلس. 

أما المعركة الثالثة فقد وقعت في السابع والعشرين من أيار، حيث تعرضت الطيرة مرة أخرى لهجوم كبير من محور رمات هكوبيش وهجوم مساند من محور كفار هيس. تم التمهيد لهذا الهجوم بقصف عسكري مركز على بيوت القرية ساهم إلى حد كبير بإدخال الهلع في النفوس لاسيما أن القوات المهاجمة استطاعت اقتحام بعض البيوت في الجهة الشمالية الشرقية، ودار قتال من بيت إلى بيت في محيط المدرسة التي استخدمها المدافعون مقر قيادة وإسناد. وفي هذه المرة، كما في المرة السابقة، ساهمت الفزعات القادمة من القرى المجاورة (من طولكرم والطيبة هذه المرة ) وبعض صناديق الذخيرة القادمة من مخازن اللجنة القومية في طولكرم بصد الهجوم. استشهد في المعركة مواطنان من الطيرة وجرح قرابة العشرة. 

غداة يوم المعركة قدمت طلائع القوات العراقية النظامية إلى المنطقة، واتخذت لها مواقع على طول الجبهة في منطقة المثلث. ساهم ذلك في بث روح الاطمئنان والثقة لدى الأهالي بشكل جعلهم يعيدون إلى القرية النساء والأطفال والشيوخ الذين كان قد تم إجلاؤهم أثناء احتدام المعارك في يومي 13 -14 أيار ويوم السابع والعشرين منه. 

وقعت المعركة الرابعة في الليلة الواقعة بين الأول والثاني من كانون الثاني 1949 وقد كان الطرف العربي هو المبادر لها هذه المرة، وذلك عندما حاولت وحدة للجيش العراقي مدعومة بوحدة من المتطوعين من أبناء الطيرة والقرى المجاورة بمحاولة استعادة بعض نقاط الحراسة التي كانت قوات يهودية قد استولت عليها على حين غرة في الأول من كانون الثاني. جرى قتال شديد حول نقاط الحراسة التي تم استعادتها جميعاً باستثناء نقطة واحدة في محور "رمات هكوبيش". وقد كان الثمن سقوط 13 شهيداً ثمانية منهم من الجنود العراقيين والباقي من أبناء الطيرة والمتطوعين.

بعد هذه المعركة بأسابيع قليلة قام الجيش العراقي بتسليم مواقعه للجيش الأردني الذي تولى المهام الأمنية هناك حتى توقيع الهدنة بين الأردن وإسرائيل، والتي سلم بمقتضاها شريط حدودي من المثلث الكبير إلى إسرائيل. وقد دخلت القوات الإسرائيلية الطيرة وغيرها من قرى هذا الشريط في الفترة الواقعة بين العاشر والحادي والعشرين من شهر أيار 1949

McNabulsy
 
 

الجنس : ذكر
الدولة :
عدد المساهمات : 1020
نقاط النشاط : 1444
تقييمك : 5
تاريخ التسجيل : 08/06/2015
العمر : 18

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://inkor.ibda3.info/

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

default رد: حلقات من دفاتر النكبة

مُساهمة من طرف McNabulsy في الخميس 17 مارس - 21:33

من دفاتر النكبة (7):
صبارين عاصمة بلاد الروحة وقصة احتلالها وتهجير أهلها عام 1948
صبًارين (وتلفظ بفتح الصاد وتشديد الباء) قرية فلسطينية، تقع في الأطراف الغربية لبلاد الروحة على بعد 35 كم جنوبي حيفا وعشرة كيلومترات شرقي زمارين (زخرون يعقوب)، وكانت تتبع في فترة الانتداب البريطاني لقضاء حيفا. تحدها من القرى الفلسطينية السنديانة وبريكة من جهة الغرب، قنير وكفر قرع من جهة الجنوب والجنوب الشرقي، أم الشوف وخبيزة من جهة الشرق، وأم الدفوف ودالية الروحة من ناحية الشمال الشرقي. ترتفع صبارين قرابة المئة متر عن مستوى سطح البحر، وقد استمد اسمها، كما يبدو، من نبات الصبّار الذي يتواجد بكثرة في المكان. 

كغيرها من قرى بلاد الروحة، صبارين ومحيطها منطقة غنية جداً بالمياه جرت حولها عيون كثيرة أهمها: عين البلد (التي ينبع منها الوادي الجوفي الذي يصب في البحر المتوسط قرب قرية جسر الزرقاء، ويسير بمحاذاة وادي التماسيح) وعين الحجة ووادي الزيوانية وعين أبو حلاوة وعين الفوار وعين البلاطة وعين أبو شقير وغدير الخضيرة الذي يمر منه الوادي القادم ممن جهة خبيزة. 

بلغت مساحة أراضي صبارين في فترة الانتداب البريطاني قرابة 33،000 دونم وقد امتدت من السنديانة غرباً وحتى خبيزة شرقاً، ومن أراضي شفية ووادي الملح في الشمال وحتى قنير جنوباً. كانت صبارين أكبر قرى الروحة الاثنتين والثلاثين من حيث عدد السكان حيث بلغ عدد سكانها عشية النكبة قرابة 2000 نسمة. ومن العائلات التي سكنتها نذكر: الحاج محمود، الدعمة، أبو لبدة، حطاب، أبو السمن، عناية، المصاروة، العباهرة، أبو صيام، الحميدي، الخوجة، أبو جاد، أبو سويلم وعبد الهادي. 

صبارين في ثورة 1936 -1939: كانت صبارين مركزاً نشطاً من مراكز الثورة في منطقة بلاد الروحة والكرمل. تشكل فيها فصيل ثوري برئاسة إبراهيم الخوجة، وكان يتبع صبري الحمد عصفور ويوسف أبو درة. 

بلغ عدد أعضاء هذا الفصيل 13 ثائراً وقد استشهد من أعضائه حسني أحمد حطّاب، في حين استشهد من المدنيين خضر المحمد الذي لم يكن من الثوار، وقد قتلته القوات البريطانية عام 1938 أثناء الطوق الذي ضربته على المنطقة بحثاً عن القائد يوسف أبو درة. 

النكبة والتهجير: مع بداية المناوشات في نهاية عام 1947 وبداية عام 1948، بدأت بعض المحاولات لتنظيم مواقع دفاعية في القرية والقرى المجاورة وأرسلت بعض الوفود إلى بيروت ودمشق لإحضار الأسلحة والذخيرة. 

في نهاية كانون الثاني 1948 جاء بعض ضباط جيش الإنقاذ إلى صبارين واجتمعوا مع مخاتير صبارين والسنديانة وأم الشوف وبريكة وخبيزة، وطالبوهم بتنظيم مواقع دفاعية وتدريب الشباب على استعمال السلاح. لكن هؤلاء الضباط جوبهوا بمعارضة المخاتير الذين قالوا بأنهم يريدون المحافظة على العلاقات الحسنة التي تربطهم مع المستوطنات اليهودية المجاورة: بنيامينا وزخرون يعقوب. موقف المخاتير هذا لم يشفع لهم ولقراهم يوم الثاني عشر من أيار 1948 حين هاجمت قوات منظمة "إيتسيل" للقرى الخمس وبطبيعة الحال تم تجميع معظم القوات المهاجمة في محيط صبارين. 

في شهادة لموشيه نير(نحشون) قائد الهجوم قال: " عند تسلمنا الأوامر بمهاجمة صبارين، أعطيت فرقتي أمراً بالتحرك على شكل كتائب يؤمنها في المقدمة بعض قصاصي الأثر وبعض الخلايا من الجناحين. تقدمنا نحو صبارين وقد أمّن تقدمنا فرقتان وسيارة "جيدي" المدرعة التي كان فيها مدفع رشاش ووحدة مسلحة بالبنادق. 

أظهر العدو مقاومة من جهات مختلفة، وخاصة باتجاه الوحدة التي تقدمت في الأرض المكشوفة، لكنه فوجئ من نيران الأسلحة الرشاشة والبنادق التي وجهت نحوه من الأجنحة والفرق التي سيطرت على التلال المشرفة على القرية.... أثناء التقدم تم تكبيد العدو خسائر فادحة وصلت إلى أكثر من عشرين قتيلاً، وقد أصاب سكان القرية الرعب والهلع وبدأت عملية هروب جماعية، عندها بدأت السيارة المدرعة بمطاردة الهاربين وإمطارهم بالنار الشديدة ". 

وأما معين الدعمة، وهو من سكان صبارين وكان شاهد عيان على ما حصل، فقد وصف الهجوم قائلاً: " دخل اليهود القرية من جهة الجنوب، وبدأوا بإطلاق النار بشكل عشوائي على كل إنسان يرونه. وكنت على البيدر أدرس الشعير، وكان دخولهم وقت الضحى، كانت أمامي صبية تحمل أخاها وقد أصيب الصبي ابن السنتين وبدأ الدم يتدفق من جرحه، كما ورأيت شخصاً عجوزاً كان يحل ضيفاً في البلد أصابته رصاصة فخر صريعاً، كما ورأيت بأم عيني مصرع ثلاثة من بائعي الزيت قتلهم المهاجمون مع حميرهم".

على إثر هذا الهجوم، يضيف معين الدعمة، نزح معظم سكان القرية من الجهة الشرقية التي فتحها المهاجمون عن قصد ليمكنوا السكان من ترك المكان. أما من لم يستطع منهم فعل ذلك من العجزة والمرضى وكبار السن فقد جمعهم المهاجمون في متبن كان تابعاً لسليم عبد القادر وهناك حرقوا عليهم المتبن".

ويضيف معين الدعمة قائلاً بأنه "عاد بعد الهجوم بأسبوعين لأخذ بعض الأغراض من البيت فوجد المكان مليئاً بالجثث التي تنهشها الكلاب المسعورة". أما المهاجمون فيعترفون بتجميع من تبقى من سكان القرية في "محبس" لبضع الوقت ثم طردهم بعد ذلك في اتجاه أم الفحم.

وقال موشيه نير واصفاً ذلك: " في صبارين أقمنا محبساً أدخلنا فيه كل كبار السن والنساء والأطفال ممن لم يستطيعوا الهرب، والذين تواجدوا في القرية أثناء احتلالها وتفتيشها، وقد وصل عددهم إلى أكثر من مئة. بعد عدة أيام بعثناهم (في الأصل سلمناهم) إلى أم الشوف ومن هناك تم توجيههم، تحت الرقابة، إلى أم الفحم وذلك كي نكفل عدم بقائهم في المنطقة أو محاولة الرجوع إلى قريتهم".

هذه الرواية أخذ بها بيني موريس مضيفاً إليها بعض التفاصيل حول ماهية المحبس وكون جدرانه من الأسلاك الشائكة. 

ثمة شهادة أخرى لضابط شارك في العملية هو أبراهام بندوري الذي يقول فيها بأن احتلال صبارين انتهى الساعة الثامنة والنصف صباحاً، وقد تحدث أيضاً عن وقوع 80 قتيلاً من سكان القرية و300 أسير، في حين ذكر بأن إجلاء الأسرى كان في تمام الساعة الثالثة من عصر ذلك اليوم. 

إن المتمعن في شهادة الضابطين يرى تناقضاً واضحاً بالنسبة لعدد القتلى (الفارق بين الشهادتين كان ستين قتيلاً) وبالنسبة للأسرى إذا كانوا قد حجزوا بضعة أيام أو بضع ساعات فقط. هذا مع العلم أن موشيه نير كان قاد عملية الهجوم واحتلال القرية في ساعاتها الأولى، وسلمها إلى بندوري في ساعات الظهيرة حيث تمركزت وحدته في القرية لبضعة أيام قبل تسليمها لقوات "الهاجاناه".

وإذا أخذنا بالاعتبار أن موشيه نير لم يمض في القرية إلا بضع ساعات (من بداية المعركة وحتى الثانية عشرة والنصف ظهراً) فإن مصداقية شهادته تبدو عالية في الساعات الأولى للقتال، أما بندوري، الذي تسلمها ظهراً، فإن شهادته تبدو أكثر مصداقية فيما يتعلق بالفترة التالية. والسؤال يبقى هل ضم بندوري في إحصائه للقتلى أولئك الذين تحدث عنهم معين الدعمة؟ وإذا كان الجواب بالإيجاب ينتج لنا تفسير معقول للفرق في عدد القتلى بين شهادتي نير وبندوري.

يتواجد معظم لاجئي صبارين في مخيمات اللجوء في الضفة الغربية والأردن، وبعضهم في مخيمات اللجوء في سورية ولبنان، وبعضهم في باقي المهاجر. كما ويعد قسم منهم على لاجئي الداخل حيث يقيمون في الفريديس وعارة وعرعرة وبرطعة وأم الفحم ومعاوية

McNabulsy
 
 

الجنس : ذكر
الدولة :
عدد المساهمات : 1020
نقاط النشاط : 1444
تقييمك : 5
تاريخ التسجيل : 08/06/2015
العمر : 18

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://inkor.ibda3.info/

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

default رد: حلقات من دفاتر النكبة

مُساهمة من طرف McNabulsy في الخميس 17 مارس - 21:34

من دفاتر النكبة (8): 
معركة قاقون وانعكاساتها
قاقون هي قرية من قرى قضاء طولكرم، تقع إلى الجهة الشمالية الغربية منها وذلك على بعد 8كم. يحدها من القرى الفلسطينية من الشرق قرى يمة وبير السكة، ومن الغرب كانت تحدها قرى زلفة الرمل، منشية عتيل ووادي الحوارث. 

تقع القرية في وسط مرج أطلق عليه سكان المنطقة، في حينه، اسم "جزر قاقون". وكما يبدو، كانت التسمية وصفاً لوضع يشكل المرتفع الذي تقع عليه القرية جزيرة في بحر من الأرض المستوية الخضراء التي كانت مزروعة بالبساتين والخضار. وهذا المرج هو جزء من منطقة وادي القباني التي تمتد على طول المنطقة من وادي الحوارث وحتى طولكرم. 

بلغت مساحة أراضي قاقون، في فترة الانتداب، حوالي 15 ألف دونم، معظمها أراض مفروزة ملكت منها عائلة أبو هنطش قرابة العشرة آلاف دونم. وقد زرعت هذه الأراضي بالغلال شتاءاً، وبالخضراوات (خاصة القثائيات ) صيفاً. كما وزرعت بعض المساحات بالبساتين من التفاح والزيتون والحمضيات، كان منها بيارة حمضيات لأحمد الشكعة من نابلس بلغت مساحتها 300 دونم، وبيارة أخرى لنافع العنبتاوي من طولكرم كانت مساحتها 140 دونماً، وبيارة ثالثة لمدحت أبو هنطش بلغت مساحتها 150 دونماً. 

كانت أراضي قاقون غنية بالمياه والينابيع خاصة المنطقة الواقعة غربي القرية والمعروفة بالحفاير، حيث كانت تسقى هناك قطعان مواشي القرية وقد زرعت حول الينابيع حقول الخضراوات خاصة مقاثي البطيخ الذي اشتهر بكبر حجمه وضرب به المثل بكبر الحجم والحلاوة. 

وصل عدد سكان القرية، عشية النكبة، إلى 2000 نسمة، وقد شكلت عائلة أبو هنطش نصف السكان تقريباً. في حين انتمى بقية السكان لعائلة المصاروة وشاهين والجمايلة (زيدان) الذين يعودون بأصلهم إلى قرية دير الغصون المجاورة. 

قام السكان في بداية الثلاثينات من القرن الماضي (وبمساعدة من مديرية التربية في حكومة الانتداب ) ببناء مدرسة مكونة من ثلاث غرف وقاعة للمحاضرات. وقد تعلم فيها عام 1947 قرابة 160 طالباً، قام بتدريسهم ثلاثة معلمين هم حيدر سعيد من قرية عنبتا، وصفي حندقجي من طولكرم وعبد الغني عرفة من قاقون. 

قاقون وثورة 1936 -1939: كانت قاقون بحكم موقعها (على السكة الحديدية التي كانت تربط الخضيرة وطولكرم)، وبحكم ثرواتها وخيراتها، أحد المقرات المهمة لقادة الفصائل في المنطقة خاصة عبد الله الأسعد من عتيل ، خالد الحامد من عتيل، وعبد الرحمن زيدان من دير الغصون. وقد انتظم من أبنائها في الثورة 18 ثائراً استشهد ثلاثة منهم (عثمان يوسف زيدان، فؤاد صالح زيدان وإبراهيم النايفة ). أما الباقون من الثوار فكانوا: نمر الحافي، راجح الحاج حسين، محمد سعيد شحادة، راغب الناصر، داود عبد ربه، علي الأعرج، أنيس عبد الحسن، نمر الحامد، محمد الأحمد السلمان، عبد الرؤوف محمد زيدان، محمد أبو حميد زيدان، عبد الفتاح محمد زيدان، عبد الرازق عثمان زيدان، محمد جابر العبد وكامل مصلح. 

النكبة والتهجير عام 1948: كانت قاقون نقطة أمامية على خطوط القتال بين القوات اليهودية والقوات العربية المتعاقبة التي حاولت الدفاع عن منطقة طولكرم. بداية كان أولئك سكان محليون ثم قوات غير نظامية من المتطوعين العرب. وبعد ذلك كان جيش الإنقاذ الذي بعث بسريتين للدفاع عن القرية. وفي العشرين من أيار وصلت وحدة من الجيش العراقي إلى قاقون، وتولت الدفاع عنها إلى أن جرت المعركة الفاصلة في الخامس من حزيران 1948. 

معركة قاقون، تفاصيلها وانعكاساتها: كانت قاقون نقطة مهمة من نقاط الارتكاز للقوات العربية في منطقة المثلث قبالة المواقع الإسرائيلية، وقد امتدت هذه الجبهة من رأس العين في الجنوب، وحتى مقيبلة وصندلة في الشمال. كانت قاقون مقامة على تل مشرف يسيطر على منطقتي وادي الحوارث ووادي القباني بكاملهما وعلى المستوطنات اليهودية التي جاورتها مثل "همعبيل" و"عين هحوريش" اللتين كانت بينهما وبين قاقون مناطق حرام فصلتها عن المناطق تحت السيطرة العربية. 

بسبب هذا الموقع الاستراتيجي المهم قررت القيادة الإسرائيلية احتلال قاقون وبكل ثمن ملقية المهمة على عاتق قوات لواء "ألكسندروني" وقد تقرر أن يكون الهجوم في الليلة الفاصلة بين الرابع والخامس من حزيران 1948. 

بلغ عدد القوات العربية المدافعة عن قاقون قرابة مائتي مقاتل من قوات المتطوعين العرب، وسرية مدرعات عراقية قدر عدد رجالها بمائة وخمسين مقاتلاً. كانت هذه القوات مركزة في مبنيين: الأول في الجهة الشمالية الشرقية في منطقة بيارات الحمضيات، وقد كانت مقر قيادة للقوات العراقية، والثاني في الجهة الغربية من القرية حيث كانت المدرسة. كما وأقام رجال المدرعات مرابض مدفعية في ثلاث جهات: الجنوبية والشمالية والغربية، وقد تم ربط هذه المرابض بقناة بعمق مترين تمركز فيها معظم مقاتلي القرية والمتطوعين. ترك المدافعون الجهة الشرقية غير محصنة بشكل يجعل الحركة نحو طولكرم حرة لتلقي النجدات والمؤن أو لنقل الجرحى. مع معرفة القوات المهاجمة للتحصينات في القرية وقع الاختيار على الجهة الشرقية لتكون المحور الأساسي للهجوم وذلك لكونها مفتوحة ولمباغتة المدافعين الذين لم يتوقعوا هجوماً من هذه الجهة. 

تم تركيز قرابة 1500 جندي مهاجم مسلحين بالمدرعات والمدافع الثقيلة والرشاشة في محيط القرية ومن ثم تم تطويقها والتحضير لقصفها قبل اقتحامها. في الساعة الحادية عشرة ليلاً اكتشف المدافعون من الجهة الجنوبية التحضيرات للهجوم، وقاموا بالاشتباك مع وحدات الاستكشاف اليهودية الأولى التي جاءت من جهة الجنوب الغربي بقصد التضليل كي يتسنى للقوات الأساسية المهاجمة الالتفاف ومهاجمة القرية من الشرق. بدأ القصف المدفعي المركز تمام الساعة الواحدة بعد منتصف الليل واستمر ثلاث ساعات كاملة. وقد تخلله قصف معاكس من قبل المدفعية العراقية الموجود في القرية ومرابض بعيدة أكثر تواجدت في محيط قرية شويكة. 

بدأت محاولات الاقتحام مع فجر يوم الخامس من حزيران وقد تم صد الهجوم من جهتي الشرق والجنوب في حين حقق المهاجمون بعض الانجازات من جهة الشمال الشرقي حيث قاموا باحتلال مبنى المطحنة ومبنى القيادة العراقية وقام المدافعون بإيقاف تقدم القوات المهاجمة حيث تحصنوا قي قناة ربطت مبنى القيادة في الشمال مع مركز القرية حيث مبنيي القلعة والخان الأثريين. 

في الساعة السادسة والنصف صباحاً قام المدافعون بهجوم معاكس بقصد السيطرة على المباني التي فقدوها في الليل. نجح الهجوم المعاكس بإيقاع خسائر كبيرة في صفوف القوات المهاجمة وصدها نحو500 متر إلى الوراء بحيث كان للنيران المساندة من محيط شويكة وطولكرم الأثر الكبير بإيقاع الإصابات في صفوف القوات المهاجمة لتواجدها في أماكن مكشوفة. 

في الساعة الثانية عشرة ظهراً قامت القوات العراقية بقصف القوات المهاجمة وكيبوتس "همعبيل" الشيء الذي مكن المدافعين من التقاط الأنفاس ونقل الجرحى إلى مستشفى طولكرم. لكن هذا الهدوء لم يدم طويلاً حيث قامت القوات اليهودية بهجوم معاكس وقد زجوا في الهجوم بأربع فرق جديدة ساندتها أربع طائرات قامت بقصف أماكن تركيز المقاومين وإعطاب باصات النجدة القادمة من محيط طولكرم والتي كانت محملة بعشرات " الفزاعة " من القرى المجاورة. استمر الهجوم المركز حتى السابعة مساءاً، وقد تخللته اشتباكات بالسلاح الأبيض إلى أن نجحت القوات اليهودية بإقصاء آخر المدافعين عن القرية واحتلالها. 

احتلت القوات اليهودية قاقون بعد معركة دامية استمرت 17 ساعة ذهب ضحيتها عشرات من أهالي القرية والمتطوعين العرب و23 جندياً عراقياً نظامياً، في حين كانت الخسائر اليهودية 26 قتيلاً وعشرات الجرحى. 
قلعة قاقون..

McNabulsy
 
 

الجنس : ذكر
الدولة :
عدد المساهمات : 1020
نقاط النشاط : 1444
تقييمك : 5
تاريخ التسجيل : 08/06/2015
العمر : 18

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://inkor.ibda3.info/

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

default رد: حلقات من دفاتر النكبة

مُساهمة من طرف McNabulsy في الخميس 17 مارس - 21:35

من دفاتر النكبة (9):
صفد وقصة سقوطها عام 1948 
صفد هي مدينة عريقة التاريخ، تقع في منطقة الجليل الأعلى على قمة جبل كنعان وعلى ارتفاع قدره 839 متراً. وكانت إحدى خمس مدن فلسطينية عامرة ومزدهرة في فترة الانتداب وما سبقها ( المدن الأخرى هي طبريا وبيسان والمجدل وبئر السبع )، والتي تم إنهاء الوجود العربي فيها بشكل تام بعد حرب ونكبة عام 1948 – 1949. 

كانت هذه المدينة في فترة الانتداب البريطاني جزءاً من لواء الجليل ومركزاً لقضاء عرف باسمها. بلغت مساحة قضاء صفد في عهد الانتداب البريطاني حوالي 750 كيلومتراً مربعاً، وضم إضافة لمدينة صفد 69 قرية، هذا إضافة لبعض المجمعات البدوية.

وكانت قرى (قدس، صلحا، هونين والمالكية ) من هذه القرى قد ضمت لقضاء صفد بعد أن سلخت من لبنان عام 1923. علماً بأن الغالبية الساحقة لقرى هذا القضاء (بما في ذلك مدينة صفد العربية ) كانت قد دمرت عام 1948 باستثناء أربع قرى وهي الجش وعكبرة وطوبا وحرفيش والريحانية. 

كانت صفد في فترة الانتداب مركزاً من المراكز النشطة للحركة الوطنية الفلسطينية، فقد كانت إحدى بؤر هبة البراق عام 1929 والتي ابتدأت أحداثها في القدس، وامتدت من هناك إلى مدن فلسطينية أخرى وخاصة مدينتي صفد والخليل. علماً بأن أحد أبنائها، فؤاد حجازي، كان واحداً من الشبان الفلسطينيين الثلاثة (الاثنان الآخران هما محمد جمجوم وعطا الزير من الخليل )، الذين أعدمتهم سلطات الانتداب البريطاني في السابع عشر من حزيران 1930 بتهمة تأجيج وتنظيم أحداث آب –أيلول 1929. 

وفي صفد تشكل في نهاية عام 1929 وبداية عام 1930 فصيل "جماعة الكف الأحمر" برئاسة أحمد طافش وهو أول فصيل فلسطيني مسلح في منطقة الجليل. وفي ثورة 1936 – 1939 كانت صفد ومنطقتها معقلاً مهماً من معاقل الثورة الفلسطينية، وفيها نشطت فصائل منطقة الجليل بقيادة أبو إبراهيم الكبير ( خليل العيسى ) وفصائل محلية بقيادة عبد الله الشاعر وعبد الله الأصبح، وقد بلغ عدد ثوار هذه الفصائل بضع مئات من أبناء مدينة صفد وقراها. 

بلغ عدد سكان المدينة عام 1947 قرابة 13500 نسمة، منهم 2600 يهودي. أما مساحة أراضيها الزراعية فقد بلغت قرابة 5000 دونم. 

نكبة مدينة صفد وتهجير سكانها: 

أكسبت تركيبة مدينة صفد السكانية وكونها مدينة مختلطة هذه المدينة أهمية خاصة ووضعتها على رأس أجندة الطرفين اللذين حاولا جاهدين تأمين السيطرة عليها وعلى محيطها القروي خاصة بعد مغادرة البريطانيين لها في نهاية نيسان 1948. 

بدأت المناوشات في الثاني عشر من كانون الأول 1947 بعد قتل شاب يهودي في سوق صفد الكبير على إثر اتهامه بمحاولة تفجير نفسه بين الجموع. وقد رد اليهود على ذلك بسلسلة من أعمال القنص أدت إلى استشهاد شابين من العرب هما حسني القوصي وربحي قدورة. 

في الخامس والعشرين من الشهر ذاته جرت المحاولة العربية للاستيلاء على القلعة، إذ جرت حولها معركة حامية سقط فيها بعض القتلى من الجانبين، ولم يكتب للمقاتلين العرب السيطرة على القلعة بسبب تدخل القوات البريطانية التي لم تغادر يومها القلعة بعد. 

حتى بداية كانون الثاني 1948 قاد فايز قدورة المسلحين والحراس العرب في صفد إلى أن حضر إليها الضابط السوري إحسان ألماز. قام هذا الضابط بتنظيم المقاتلين العرب وعمل على تدريبهم وتحضيرهم للمواجهات. ووضع خطة محكمة لمحاصرة الحي اليهودي، ومنع قدوم المؤن والذخيرة إليه. 

واضطر اليهود بسبب ذلك الحصار لتشغيل بعض القوافل من السيارات المصفحة بغرض الوصول للحي اليهودي ونجدته، كما وحاولوا كسر الحصار من خلال مهاجمة واحتلال بعض القرى العربية المشرفة على طريق جبل كنعان المؤدية لصفد. 

في الخامس عشر من نيسان قامت قوات المتطوعين العرب من دخول نقطة البوليس البريطاني ومبنى الحاج فؤاد الخولي، الواقع على الحدود المتاخمة بين الحي اليهودي والأحياء العربية، والذي كان البريطانيون قد صادروه بعد بدء المناوشات للفصل بن الأحياء العربية والحي اليهودي. حاولت القوات اليهودية السيطرة على هذين المبنيين في هجوم معاكس في الثامن عشر من نيسان، ولكن القوات العربية المتحصنة فيهما نجحت في صد الهجوم والسيطرة على بعض المواقع اليهودية الأمامية. 

في اليوم ذاته وصلت طلائع وحدة أردنية تابعة لجيش الإنقاذ يقودها الضابطان أميل الجمعان وساري فنيش. وفي اليوم التالي وصلت سرية متطوعين سورية قوامها 80 مقاتلاً بقيادة عبد الحميد السراج ( الرجل الأول في سوريا أيام الوحدة مع مصر لاحقاً ) وهشام العظم. 

لم يكن قدوم هذه النجدات بادرة خير على المجهود الحربي العربي ومعنويات الأهلين، إذ أنه سرعان ما تصادم الضابطان الأردنيان، اللذان عملا على التهدئة، وفرضا منع التجوال على السكان، مع الضبط السوريين وقائد قوات المتطوعين إحسان ألماز الذي رأى بوجوب القيام بمبادرات هجومية لضرب معنويات الحي اليهودي من جهة، ورفع معنويات أهالي صفد من جهة أخرى.

وقد أدى هذا النزاع إلى انقسام أهل المدينة بين مؤيد لهذا أو ذاك من الضباط، ولم يكن بد من استبعاد إحسان ألماز خاصة بعد قدوم سرية أخرى من جيش الإنقاذ تحت قيادة الجنرال أديب الشيشكلي (رئيس سوريا فيما بعد في الفترة الواقعة بين 1949 -1955) وتوليه القيادة العليا بنفسه. 

في مطلع أيار كان اليهود قد سيطروا على قريتي عين الزيتون وبيريا وقد نجحوا بذلك بكسر الحصار العربي على الحي اليهودي في صفد، وتحويل الوضع إلى وضع معاكس، بحيث أصبحت الأحياء العربية هناك تحت الحصار. وفي ظل هذه الظروف كان أمر سقوط صفد هو مسألة وقت ليس إلا خاصة إزاء الإصرار اليهودي على ذلك وذلك تمهيداً لبسط السيطرة اليهودية على الجليل الأعلى بكامله. 

وعن أهمية كسر شوكة أهل صفد من العرب كمقدمة للسيطرة على الجليل الأعلى، قال يجئال ألون، قائد قوات "البالماح" التي تولت مهاجمة المدينة، في توجيهاته للقوات المهاجمة: " إن عرب صفد هم العامل الأقوى في منطقة الجليل الأعلى، وعليه فإن احتلال صفد، سيخفف إلى حد كبير، من صعوبة احتلال أماكن أخرى في الجليل الأعلى وإصبع الجليل". وبغرض تجميع القوات اللازمة لهذه العملية قامت القيادة اليهودية بوضع لواء ألون 11 من قوات "جولاني" ولوائين من قوات "البالماح" تحت تصرف يجئال ألون الذي اخذ يتحين الفرص للانقضاض على الأحياء العربية من مدينة صفد واحتلالها. 

في اليوم السابع من أيار قام أديب الشيشكلي بوضع خطة لمهاجمة الحي اليهودي وكسر الحصار، حيث بدأت بطارية المدافع التابعة لجيش الإنقاذ والمرابطة برأس التينة ووادي الطواحين بقصف الحي اليهودي تمهيداً لاقتحامه. وعلى أثر ذلك قامت القوات اليهودية بشن هجوم مضاد في الثامن من الشهر ذاته. نجح المدافعون العرب بصده بشق الأنفس. لكن القوات اليهودية أعادت الكرة في هجوم شامل حمل اسم "عملية يفتاح" بدأ في العاشر من أيار واستمر في الحادي عشر منه. وفي نهايته نجحت القوات اليهودية ببسط سيطرتها على المدينة العربية بعد أن أخلتها سرايا جيش الإنقاذ في اليوم الأول للهجوم ولم يبق في المدينة إلا عشرات من المقاتلين المحليين، وبعض المتطوعين العرب الذين تحصنوا في مبنى القلعة وقاتلوا حتى النفس الأخير. 

ودخلت القوات اليهودية صفد بعد أن تم تهجير أهلها تحت وقع القتال المرير الذي دار هناك. استشهد في عملية الدفاع عن صفد قرابة 100 شهيد وجرح العشرات، وقد تم أسر بعض الشباب ووضعهم في المعتقلات حتى تم إطلاق سراحهم بعد التوقيع على اتفاقيات الهدنة

McNabulsy
 
 

الجنس : ذكر
الدولة :
عدد المساهمات : 1020
نقاط النشاط : 1444
تقييمك : 5
تاريخ التسجيل : 08/06/2015
العمر : 18

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://inkor.ibda3.info/

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

default رد: حلقات من دفاتر النكبة

مُساهمة من طرف McNabulsy في الخميس 17 مارس - 21:35

من دفاتر النكبة (10): 
كفر سابا العربية وقصة سقوطها وتهجيرها../ د.مصطفى كبها 
قرية كفر سابا هي قرية فلسطينية جرى احتلالها وتدميرها وتهجير أهلها في أيار 1948. تبعت هذه القرية في فترة الانتداب البريطاني قضاء طولكرم، وهي تبعد عن طولكرم مسافة 15 كم باتجاه الجنوب – الغربي، وعن قلقيلية مسافة 5 كم باتجاه الغرب، وحدتها كذلك من الجنوب بلدة كفارسابا اليهودية، ومن الشمال الغربي قرية مسكة، ومن الغرب خربة عزون ( تبصّر )، كما وحدّت القرية كذلك قرى جلجولية وبيار عدس.

بلغ عدد سكان كفر سابا عام 1948 حوالي 1500 نسمة، وكان من عائلاتها الولويل والنجار وياسين وجبر والقرعاوي وعائلات أخرى. أما مساحة أراضيها فقد بلغت حوالي 10000 دونم زرعت بالغلال والخضروات والحمضيات. 

كانت القرية نشطة في ثورة 1936 – 1939 حيث وقعت في منطقة نشاط الفصائل التابعة لعارف عبد الرازق وفارس العزوني. وشارك العديد من أبنائها في الثورة بشكل فعلي وكذلك في تقديم المساعدات اللوجستية للفصائل الثورية. 

النكبة والتهجير: منذ بدء المناوشات المسلحة بين العرب واليهود مع بداية كانون الأول/ ديسمبر عام 1947، كانت كفر سابا إحدى نقاط الاحتكاك الساخنة مع المستوطنات اليهودية خاصة مع كفار سابا ورعنانا. في البداية وقعت بعض الاشتباكات المتفرقة في منطقة النبي يامين وفي منطقة البيارات المتجاورة حيث وقعت أعمال قنص متبادلة وتفجير لآبار المياه في البيارات المتجاورة، والتي ادعت القيادة اليهودية أن البيارات العربية كانت قاعدة لتنظيم وانطلاق المسلحين الذين هاجموا المستوطنات اليهودية. وقامت على إثر ذلك ببعض العمليات الانتقامية في تلك البيارات والتي تضررت منشآتها إلى حد كبير. 

في الرابع من آذار/مارس 1948 هاجمت قوات يهودية كبيرة قرية بيار عدس رداً على مهاجمة قوات عربية مستوطنة "مجدائيل" اليهودية، وشاركت مجموعة من مقاتلي كفرسابا في الدفاع عن بيار عدس، ما جعل قوات "الهاجاناه" تقرر معاقبة كفر سابا من خلال فرض شبه حصار على طرق مواصلاتها وضرب المركبات الداخلة إليها أو الخارجة منها وقنص ركابها. وفي نهاية الشهر ذاته قامت وحدة من قوات "الكسندروني" بمهاجمة الأطراف الغربية للقرية. واستشهد في هذا الهجوم اثنان من سكان القرية وأصيب كذلك سائق مركبة من قلقيلية.

في التاسع من أيار قامت قوات عربية مكونة من سرية تابعة لجيش الإنقاذ وقوات من المتطوعين العرب من كفر سابا بقصف مركز لبلدة كفار سابا اليهودية استهدف إسكات المواقع التي انطلقت منها نيران القناصة التي أصابت المارين على الطريق المؤدي لكفر سابا. وقامت ثلاث مدرعات خفيفة تابعة لجيش الإنقاذ بمهاجمة برج الماء المتواجد في الأطراف الشمالية لكفار سابا (حيث كان مقراً دائماً لأولئك القناصين ) وتدميره. بعد هذا الهجوم، قررت قوات "الهاجاناه" في المنطقة مهاجمة قرية كفر سابا العربية بغرض احتلالها، وحددت عملية الهجوم ليوم الثالث عشر من أيار 1948، وأطلق على العملية اسم " عملية مديناه". 

ألقي تنفيذ عملية الهجوم على عاتق قوات فرق 32 و 33 التابعة للواء ألكسندروني. واقتضى ذلك أن تقوم فرقة 33 أ بمهاجمة القرية من جهتي الجنوب والغرب، في حين تقوم الفرقة 33 ب بإقامة حاجزين من الموانع يكون من شأنهما منع توافد قوات نجدة عربية من جهتي الشرق والجنوب الشرقي خاصة من منطقة قلقيلية. كما وتم التخطيط لنصب ثلاث راجمات في منطقة البيارة التابعة لسلامة الحاج إبراهيم ( من طولكرم ) وذلك لدعم المهاجمين والتغطية على أعمال إقامة الموانع والحواجز. في البداية كانت ساعة الصفر للبدء بالهجوم قد تحددت لمنتصف ليل 13 -14 أيار، ولكن هذا الموعد تم تبكيره ليبدأ الهجوم في وضح نهار يوم الثالث عشر من أيار. 

بدأت عملية الهجوم في تمام الساعة الحادية عشرة والنصف ظهراً من خلال قصف مركز قامت به الراجمات من عيار ثلاثة أرطال لمركز قرية كفر سابا والأحياء الغربية منها، وسبب القصف دماراً كبيراً في المباني وإصابات عديدة بين المدنيين وأثار حالة من الهلع في صفوفهم. 

وتحت غطاء القصف بالراجمات تقدمت قوات المشاة تحت غطاء البيارات الكثيفة المحاذية للقرية وأخذت لها مواقع في حقول الغلال الواقعة في الجهة الجنوبية الغربية لتبدأ الهجوم من هناك حوالي الساعة الواحدة بعد الظهر.

شهدت القوات المهاجمة مقاومة شرسة من المدافعين عن القرية الذين بلغ عددهم حوالي الستين مقاتلاً، بما في ذلك سرية من المتطوعين العرب بقيادة ضابط سوري بلغ قوامها ثلاثين مقاتلاً. وقد دارت معارك ضارية وجهاً لوجه ومن بيت إلى بيت في مركز القرية وفي الحي الجنوبي الغربي. ونجحت قوات "الهاجاناة" المدعومة بقصف كثيف من الراجمات التشيكية الصنع بالسيطرة على معظم مساحة القرية بعد ساعتين من القتال. وقد استمر إطلاق النار المتقطع في محيط مقام النبي يامين وفي التل الشرقي المشرف على الطريق الرئيسي المؤدي إلى قلقيلية. 

في الوقت الذي باشرت في القوات المهاجمة تفتيش البيوت وطرد من تبقى من أهلها نحو الشرق، قامت قوات الجهاد المقدس التابعة للهيئة العربية العليا وبأمر من القائد حسن سلامة، قائد قوات جيش الجهاد المقدس في منطقة المركز، بتنظيم هجوم معاكس شاركت فيه بعض المدرعات الخفيفة التي كان جيش الجهاد قد غنمها من قوات "الهاجاناه" في قطاع كفار عتسيون.

نجح هذا الهجوم باسترجاع التل الإستراتيجي الذي تمركزت فيه وحدة استكشاف يهودية وذلك بعد قتال ضار تم فيه الإجهاز على كافة مقاتلي فرقة الاستطلاع التابعة "للهاجاناه". وقامت قوات الهجوم المعاكس كذلك بإيقاع إصابات عديدة من خلال تدمير حافلة مدرعة جاءت وقت المساء لنجدة وحدة الاستطلاع.

وجاء في شهادة يعقوب دورون، أحد الذين كانوا داخل الحافلة: " شعرت بأن الدنيا تدور بي عندما استهدفت سيارة الباص المدرعة قنبلة من مدفع إحدى المدرعات التي وقفت أمامنا، وجدت نفسي ملقى على أرضية الباص المدرع ومن حولي ظلام دامس ومخيف... زحفت باتجاه الفتحة الخلفية للباص، شعرت بأني أزحف على جثث وقد عرفت بأن هذه الجثث هي جثث رفاقي، أحد أعضاء الفرقة ساعدني بالنزول من المركبة، وبالسير مع من ساروا. فهمت بأننا منسحبون نحو القرية.. الباص المشتعل ساعدنا بعض الشيء في عملية تغطية الانسحاب، ولكن عندما أصبحنا منكشفين أصابت رجلي اليمنى رصاصة أخرى، لكنني واصلت المسير بحيث كنت متكئاً على أحد أصدقائي وقد شعرت أن الطريق إلى القرية تطول إلى ما لا نهاية". 

سبّب سيل السكان المطرودين من القرية نحو الشرق تأجيل الاستمرار بالهجوم المعاكس للقوات العربية، خاصة وأن الظلام كان قد حل، ولم تكن تلك القوات مالكة لأدوات وتقنيات القتال في الليل. مكّن هذا التأجيل قوات الكسندروني من التقاط الأنفاس وبمساعدة النجدات التي حصلت عليها هذه القوات أثناء الليل، كانت هي البادئة بالهجوم صبيحة يوم الرابع عشر من أيار/ مايو، حيث كبّدت القوات العربية خسائر كبيرة وأجبرتها على التراجع نحو قلقيلية. ولم يفلح هجومان قامت بهما القوات العراقية (التي قدمت إلى تلك الجبهة في الخامس عشر من أيار ) في السادس والسابع عشر من الشهر باستعادة القرية التي أضحت منذ ذلك التاريخ قاعدة أمامية للقوات الإسرائيلية التي انطلقت منها لاحتلال وتهجير قرى عربية أخرى في المنطقة

McNabulsy
 
 

الجنس : ذكر
الدولة :
عدد المساهمات : 1020
نقاط النشاط : 1444
تقييمك : 5
تاريخ التسجيل : 08/06/2015
العمر : 18

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://inkor.ibda3.info/

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

default رد: حلقات من دفاتر النكبة

مُساهمة من طرف McNabulsy في الخميس 17 مارس - 21:35


من دفاتر النكبة 11: 
كفر قرع؛ قصة معركة فاصلة وتهجير دام 11 شهراً














































كفر قرع قرية من قرى وادي عارة الواقعة في المثلث الشمالي، وتبعد عن حيفا 47 كم في جهة الجنوب الشرقي. تقع في الحافة الشمالية الغربية لوادي عارة في منطقة الروحة والتي كانت فيها حتى العام 1948 اثنتان وثلاثون قرية هجرت ست وعشرون منها وبقيت كل من كفر قرع، عارة، معاوية، مشيرفة، مصمص والبياضة. بلغ عدد سكان هذه القرية عشية النكبة 1680 نسمة. في فترة الانتداب مرت كفر قرع بعملية تحديث مكثفة حيث بنيت فيها مدرسة ابتدائية نموذجية في مطلع الثلاثينيات من القرن الماضي.

كانت مساحة راضيها ما مجموعه 18000 دونم، زرعت بمختلف أنواع الغلال والخضروات والفواكه. ونظراً لاشتغال معظم سكانها بالزراعة فقد أقيمت فيها جمعية تعاونية زراعية عملت على استيراد وتشغيل التقنيات الحديثة من جرارات ومحاريث وبذور محسنة الخ... 

في ثورة 1936 -1939 كانت كفر قرع قرية نشطة، حيث تشكل من أبنائها فصيل بقيادة ياسين الأسمر القبق والذي عمل في منطقة قيادة الشيخ يوسف سعيد أبو درة، والتي شملت منطقة جنوب حيفا والروحة ووادي عارة وجنين. 

تعرض هذا الفصيل لنكسة شديدة عام 1938 عندما استشهد معظم أعضائه في عملية تطويق قامت بها القوات البريطانية في منطقة تدعى بيت الشمالي قرب قرية رمانة (قضاء جنين ). وعلى الأرجح أن الطوق فرض بسبب وشاية محلية ترتبط بتوتر داخلي تفاقم بعد ذلك حتى أدى إلى اعتقال قائد الفصيل ونائبه حسن شبلي (أبو سنان ) من قبل فصائل الثورة. أما من استشهد من أعضاء الفصيل في بيت الشمالي فكانوا: إبراهيم أبو فنة، محمود الحسن أبو فنة ويوسف العرباصي. كما جرح في المعركة محمد الزوقي مصاروة الذي توفي بعد ذلك متأثراً بجراحه، في حين تم اعتقال محمد أحمد أبو سرية وإعدامه لاحقاً في سجن عكا.

وقد انتمى لهذا الفصيل كذلك كل من مصطفى العرباصي، حسن الشتيوي وراجح العريدي، في حين انتمى لفصائل أخرى كل من: خليل حسن يحيى وفؤاد سعيد كناعنة (فصيل عبد الله الأسعد من عتيل )، حسن علي مصالحة ( فصيل العبد الصادق من عتيل )، محمود جبر مصالحة ( فصيل يوسف أبو درة من السيلة الحارثية ) وكامل أحمد علاوي (فصيل صبري الحمد عصفور من السنديانة ). 

قصة التهجير واللجوء والعودة: كانت كفر قرع محط اهتمام كبير من رجال المستوطنات اليهودية المجاورة ونشطاء المؤسسات التابعة للوكالة اليهودية في المنطقة، أولاً بسبب كونها البلد الثاني (بعد صبارين ) في منطقة الروحة من حيث عدد السكان، وثانياً بحكم امتلاك شركة "بيكا" الصهيونية لقسم من أراضيها ومجاورتها لمستوطنات يهودية اعتبرت مواقع أمامية كجبعات عادة وكفار جليكسون، وثالثاً بحكم علاقات جيدة ربطت بعض سكان كفر قرع بالمستوطنات اليهودية والأشخاص الفاعلين فيها. 

ومع اشتداد الصدامات بعد صدور قرار التقسيم عام 1947 اهتم رجال الوكالة اليهودية و"الهاجاناه" أن يكون لهم مصدر معلوماتي داخلي يزودهم بالمعلومات عن تحركات الطرف العربي على طول جبهة وادي عارة. وكما يبدو فقد كان هذا الشخص من الشخصيات المهمة في كفر قرع وقد اصطلح على تسميته في الأوساط الاستخباراتية اليهودية بلقب "الأمير". أرسل "الأمير" إلى مشغليه الأخبار تباعاً، شارحاً فيها استعدادات أهالي كفر قرع والقرى المجاورة من الناحية العسكرية، واصفاً معنوياتهم وشكل علاقاتهم مع الهيئات العربية الفاعلة كالهيئة العربية وجيش الإنقاذ واللجان القومية وغيرها.

بناء على المعلومات التي تم تركيزها في مقر قيادة "الهاجاناه" أناطت هذه القيادة بلواء "ألكسندروني" التابع لها مهمة احتلال كفر قرع كجزء "من الاختراقات التي يجب تنفيذها في العمق العربي " وذلك كما جاء في التعليمات التي بعثت لقادة "الكسندروني". حدد الهجوم ليوم الثامن من أيار 1948 وقد سبقته عملية مكثفة لجمع المعلومات عن تحركات جيش الإنقاذ وقوات المتطوعين العرب التي تواجدت في المنطقة.

بالنسبة لتفاصيل ما جرى في ذلك اليوم كثيرة هي المصادر التي تحدثت عن سير المعركة خاصة من الطرف اليهودي الذي يعدها إحدى المعارك الفاصلة التي خاضتها القوات اليهودية في المنطقة. وسنورد هنا رواية الطرفين حول ما جرى. 

أطلقت قيادة الهاجاناه على المعركة اسم عملية "يوفال" وقد ورد في تلخيص للمعركة وجدناه في وثائق لواء ألكسندروني ما يلي: "عملية ضد كفر قرع ووادي عارة : تكونت قواتنا من ثلاثة أفواج أربع مصفحات، راجمتين 3 إنش وثلاثة مدافع رشاشة. في الساعة العاشرة تم احتلال الأهداف. في الساعة 12:55 قام العدو بهجوم قوي مضاد من جهة عارة. توقفت لدينا الراجمتان وأحد المدافع الرشاشة عن العمل، كما ولوحظ نقص بأدوات التخندق وأجهزة الاتصال. في الساعة 18:40 انسحبت قواتنا من كفر قرع بعد نسف ثلاثين بيتاً. تقدر قوات العدو بخمسمائة رجل، تم تكبيدهم خسائر والعدد غير معروف أما خسائرنا فكانت 7 قتلى و23 جريحاً ". 

إن المتأمل لهذا التلخيص لا يجد نبرة نشوة الانتصار التي ميزت أدبيات "الهاجاناه" من تلك الفترة، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن نصراً لم يتحقق لهذه القوات في تلك المعركة، بل إن لجوء كاتب التلخيص للتهويل يدل على رغبة بتغطية الفشل الذريع الذي منيت به قوات "الكسندروني" في ذلك الهجوم. إذ أن عدد المدافعين لم يصل الخمسمائة بأي حال من الأحوال، في حين كان مجموع ما تضرر من بيوت أو نسف من قبل القوات المهاجمة ثلاثة بيوت فقط، وليس 30 بيتاً كما ورد في التلخيص. هذا مع العلم أن عدد قتلى القوات المهاجمة بلغ 13 وليس 7 قتلى، ولكن يمكن أن نبرر الفرق في أن يكون العدد قد زاد بسبب وفاة بعض الجرحى الذين كانت جروحهم بالغة. 

أما الرواية المحلية للحدث فيمكن تلخيصها كما وردت على لسان شهود عيان كنا قد أجرينا معهم مقابلات حول المعركة وقد جاء فيها: " كان الهجوم من جهتي المقايل غرباً والعرق جنوباً. في البداية كان المدافعون من أهل القرية فقط وقد كان لديهم قرابة خمسون بندقية مختلفة الطراز. من الأشخاص الذين قابلوا الهجوم من جهة الجنوب وتصدوا للمهاجمين وجهاً لوجه نذكر حسن الشتيوي زحالقة، عبد الرحمن نجيب زحالقة، أحمد العبد اليحيى، حمدان أبو خاطر، راجح العريدي وآخرين. انضم لهؤلاء في مرحلة متأخرة كل من أحمد الجبر مصالحة، عبد الرحمن الجبر مصالحة، محمد جميل مصالحة، محمد يوسف بدوية، أنيس حسين مصالحة والحاج محمد الحمدان كناعنة.

قاوم أهل القرية أكثر من ساعة ولكن القوات المهاجمة استطاعت دخولها والسيطرة على بعض النقاط الإستراتيجية فيها. عندها بدأ الأهالي بمغادرتها، أول حارة غادر أهلها كانت الحارة التي تعرضت للهجوم الأول وهي حارة الزحالقة. في البداية تم إخلاء النساء والأطفال والعزل من السلاح وبعدها تم إخلاء البلدة تماماً إلا من العجزة والمقاتلين. بعدها بدأت الفزعات بالوصول من القرى المجاورة وقد كان معهم ثلاثة من جنود جيش الإنقاذ (ضابط وجنديان ) الذين احضروا معهم مدفعاً رشاشاً من طراز برن ( في نهاية المعركة استشهد الضابط السوري الذي كان يحمل البرن ). 

جاءت الفزعات من قرى عارة، عرعرة، برطعة، يعبد وأم الفحم بعد ساعتين من بدء العملية. وقد فاجأت الفزعات اليهود فاخلوا القرية بعد أن نسفوا ثلاثة بيوت: بيت أحمد العبد الله يحيى، بيت أحمد العلي الزامل ( الذي هدم على رؤوس ثلاث نساء) وبيت مصطفى أبو يعقوب. بعد ذلك بيوم رجع السكان إلى القرية، أخذوا أغراضهم وتشتتوا". 

كان هذا تلخيصاً للرواية المحلية لمجريات المعركة، وقد قمنا بمعاينة مواقع المعركة والبيوت المهدومة ولم نجد ذكراً لأكثر من ثلاثة بيوت. وقد حصر من قابلناهم أسماء الشهداء ب 11 شهيداً والجرحى بثلاثة وهم كالتالي : استشهد كل من: محمد حسن مسلماني ( كان عمره آنذاك 28 وكان متزوجاً حديثاً وله بنت واحدة )، راجح العريدي ( 50 عاماً وقد استشهد لاحقاً أحد أبنائه في منطقة القدس)، الحاج محمد الحمدان كناعنة (55 عاماً )، حمدان أبو خاطر ( 55 عاماً ) محمد عارف يحيى (30 عاماً وقد كان معوقاً عقلياً ) سليم أحمد أبو سرية ( استشهد في بيته )، آمنة عبد فنادقة ( مسنة لم يعرف عمرها بشكل دقيق )، أم العبد الزامل (لم يعرف اسمها أو عمرها بشكل دقيق )، فاطمة عبد الرحمن زحالقة، شخص من عرب التركمان ( لم يعرف اسمه أو عمره بشكل دقيق وقدر بأنه كان في العقد الرابع من عمره) ضابط سوري من جيش الإنقاذ (لم يعرف اسمه وقد قدر بأنه كان في العقد الرابع من عمره ). أما الجرحى فكانوا: شوكت فرج فنادقة، مريم عيسى سعد، ذيب محمد أبو نعسة. 

اللجوء والعودة : بدأ لجوء سكان كفر قرع إلى القرى المجاورة ( عارة، عرعرة، برطعة، طورة، يعبد وأماكن أخرى) في العاشر من أيار 1948 واستمر حتى الثاني عشر من نيسان 1949. وبهذا يكون تهجيرهم قد دام 11 شهراً، عادوا قبل تسليم القرية لإسرائيل (الذي جرى في التاسع عشر من أيار 1949 بمقتضى اتفاقية رودس بين الأردن وإسرائيل) بقرابة الأربعين يوماً. 

وعن تطور فكرة العودة وعن تفاصيل ما جرى بعد ذلك، يروي سليمان جبر مصالحة فيقول: " في بداية نيسان 1948 كنت مع عائلتي لاجئين في قرية طورة، حين سمعنا في الراديو أخباراً عن توقيع اتفاقيات الهدنة في رودس. وقد قال لنا يومها خالي إبراهيم القربي بأننا سنحاول العودة للبلد وقد ذهب في صباح اليوم التالي إلى حسن عيسى عثامنة وحسن محمد الحاج يونس مصالحة وطالبهم بالعودة للبلد ذلك أن القرية لم تحتل من قبل اليهود. وقد أجابه الاثنان بالإيجاب قائلين بأنه من الأفضل لنا أن نموت في بلدنا على أن نبقى لاجئين، في صباح اليوم التالي حملنا أغراضنا وعدنا للبيوت، وبعدها لحق بنا حسن العلي مصالحة وإخوانه، وقد كان العائدون يأكلون ويسهرون وينامون مجتمعين. 

من الجدير ذكره أنه في هذه الفترة استشهد نتيجة انفجار ألغام زرعتها القوات اليهودية في محيط القرية كل من عوض العبد الموسى إسماعيل وزوجته وجرح محمد الحاج أحمد مصالحة وهم في طريقهم لقطف الذرة من حقولهم الواقعة في منطقة الزعفرانية غربي القرية

McNabulsy
 
 

الجنس : ذكر
الدولة :
عدد المساهمات : 1020
نقاط النشاط : 1444
تقييمك : 5
تاريخ التسجيل : 08/06/2015
العمر : 18

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://inkor.ibda3.info/

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

default رد: حلقات من دفاتر النكبة

مُساهمة من طرف McNabulsy في الخميس 17 مارس - 21:36

من دفاتر النكبة (12):
بيسان: قصة اندثار مدينة كانت سباقة في عصر الحداثة
مدينة بيسان مدينة عريقة تضرب جذورها عميقاً في التاريخ على مدار قرابة خمسة آلاف سنة خلت. تقع هذه المدينة في الظاهر الجنوبي – الشرقي لمرج ابن عامر وعلى الأطراف الغربية لغور الأردن، وتبعد عن بحيرة طبريا 25 كم باتجاه الجنوب. 

كانت في فترة الانتداب البريطاني مركز قضاء حيث حملت ملامح مدينة رغم قلة عددها سكانها (قرابة 6000 نسمة عشية النكبة ) سكنها خليط من أهل المدن والفلاحين والبدو ومن القبائل التي عاشت في محيطها الغزاوية والصقور والزيناتي والبشاتوة والبواطي. كان معظمهم يسكنون في خيام وبيوت من طين.

جاءت إليها عائلات من دمشق ونابلس والناصرة واستقرت فيها، هذا فضلاً عن بعض العشائر البدوية التي استقرت فيها مع بداية سنوات العشرينيات من القرن الماضي وخاصة من عرب الغزاوية والغوارنة. تشكل سكان المدينة من فسيفساء إثني وطائفي حيث سكنها العرب وبعض العائلات اليهودية (حتى العام 1929 ) والأرمنية والشركسية ومن الناحية الطائفية سكنها بالإضافة للمسلمين ( الذين شكلوا غالبية السكان ) أبناء بعض الطوائف المسيحية كالكاثوليك والأرثذوكس والأرمن. 

بلغت مساحة أراضي بيسان حوالي 35000 دونم تم فرزها عام 1921 حسب اتفاقية فرز أراضي الغور. وقد نجحت المؤسسات الصهيونية بشراء ما يقارب 40% من مساحة هذه الأراضي خلال فترة الانتداب. زرعت هذه الأراضي بالغلال كالحنطة والشعير والذرة والسمسم ونسبة منها زرعت بأشجار الفاكهة كالموز والمشمش والرمان والتفاح والحمضيات. 

لم تكن الزراعة مكان العمل الأساسي لسكان بيسان، بل عمل الكثيرون منهم كحرفيين وفي التجارة وفي الوظائف الحكومية. فمن الفئة الأولى نذكر : سالم السالم (حداد)، عبد الكريم قادري (نجار )، عبد الكريم سليم حجازي (نجار )، شفيق حداد (حداد )، نديم أبو غزالة (خياط )، مسعود درويش (خياط)، فوزي درويش أحمد (خياط ) ومحمد جلاد الصانوري ( خياط ).

ومن الفئة الثانية نذكر سعيد صالح عنبتاوي ( تاجر غلال وقماش )، إبراهيم حنا سابا ( تاجر وقود ووكيل شركة واكوم لإنتاج الوقود وتسويقه )، إسماعيل جمعة الشامي ( تاجر غلال وأقمشة)، إبراهيم حنا قبعين ( تاجر غلال وأقمشة )، سعيد ناجي عبد العلي ( تاجر غلال وأقمشة )، وآدم السالم ( تاجر قطع غيار للسيارات ووكيل شركة شل للوقود ). أما في الفئة الثالثة فقد عمل العديد من أبناء بيسان في الوظائف الحكومية المختلفة خاصة في إدارة الأشغال العامة والشرطة والجيش، نذكر منهم توفيق صالح تهتموني الذي كان ضابطاً كبيراً في سلاح حرس الحدود، عبد الله أبو رحمون ( دائرة الصحة )، حبيب وهبة ( محاسب بلدية الناصرة )، سلمان سليم أبو رحمون ( سكرتير بلدية بيسان )، جريس إبراهيم العورة ولبيب جريس حبيب وكامل الجندي (دائرة المساحة )، ناجي سعيد عبد العلي ( شرطة )، سليمان ديب العلي ( شرطة )، داود أسعد علي التهتموني ومحمد سعيد الناجي ( دائرة البريد، فرع بيسان )، عبد الرحمن درويش أحمد ( محاسب بلدية بيسان )، محمد ذيب علي تهتموني (معلم في بيسان ) أمينة أبو دراز ( معلمة في الطنطورة )، ربيحة حمادة ( معلمة في بيسان )، يسرى حمادة ( معلمة في بيسان )، صبحي عبد الله أبو رحمون، حسني محمد حسن أبو خليل ( معلم لغة عربية )، حسني منصور ( معلم علوم )، عدنان محمد سعيد الحلبوني ( معلم، أصبح طبيباً بعد التهجير ). 

كانت في بيسان حركة تجارية نشطة، وكان فيها عدد من الدكاكين والمحال التجارية نذكر منها: دكان بنّا وسالم، دكان داود الطاهر وشركاه، دكان سعيد التميمي، دكان أحمد بندقجي الشامي، دكان مصطفى سليم صالح وشركاه ودكان إبراهيم أبو علي. 

كما وكانت فيها مدرستان واحدة للبنين وأخرى للبنات، وقعت الأولى إلى الغرب من عمارة السرايا (مقر القائمقام العثماني أثناء الفترة العثمانية المتأخرة ) بعشرين متراً. أما الثانية فقد وقعت شمال الشارع الرئيسي وكانت عبارة عن بناية صغيرة حجرية سوداء مظللة بالأشجار. تعلم الطلاب في المدرسة الابتدائية للبنين حتى الصف الثالث، وكانت البناية مكونة من غرفة معلمين وثلاث غرف تدريس، كان مديرها حسن فرحان المصري وبعده أحمد الموسى من كفر قدوم، أما المعلمون فكانوا عزيز الخوري من الرينة، فؤاد مرعي من جنين، صبحي عبد الله أبو رحمون ومحمد ديب تهتموني من بيسان. 

بيسان وثورة 1936 -1939: كانت بيسان نشيطة جداً في ثورة 1936 -1939 وكان فريد فخر الدين من أبرز الناشطين في المجال الوطني منذ العشرينات. وقد سجن أثناء الثورة في سجني صرفند وعوجا الحفير. وقد انضم لحركة الشيخ عز الدين القسام من بيسان كل من الشيخ محمد حنفي ومحمد عبد الهادي فخر الدين وعبد الجبار عبد الرحيم فخر الدين. أما رؤساء الفصائل في الثورة فكانوا: الشيخ عبد أبو رحال وقد استشهد في صدام مع قوة الحدود البريطانية، فؤاد عبد القادر الأحمد، ومصطفى أبو شام وقد استشهد في نهاية الثورة. أما من الثوار فقد كان كل من: محمد عبد الله العلي، سليم شاتي الحمدان، محمود عبد الله مرجان، فياض أبو سرية، محمود أبو سرية، عبد الله عبد أبو حسونة، كامل حسين أبو صقر، حمدي رباح أبو علي (اعتقل لمدة سنة ) محمد أعد أبو سرية (اعتقل لمدة ثلاث سنوات)، نايف محمود حلبوني ( شهيد، نفذ فيه حكم الإعدام بعد اعتقاله )، عيد محمد عطاري (شهيد )، مصطفى أحمد نداف، سعيد إبراهيم نداف، درويش صالح أبو زنط، خليل حسن المحروم (شهيد )، عبد الرحيم جاد الحاج (شهيد، نفذ فيه حكم الإعدام )، سلامة صالح برو ( اعتقل لمدة ستة اشهر ). 

وقد لاحقت السلطات العسكرية البريطانية الثوار في بيسان وهدمت بيوت من ساعدهم أو آواهم، وفي معظم الحالات تم إعادة بناء تلك المنازل مباشرة بعد هدمها. ومن البيوت التي هدمت أثناء الثورة نذكر: بيت محمد ياسر محمود، بيت آدم السالم، بيت محمد سعيد حلبوني، بيت عبد سليم حلبوني، بيت يوسف العساف وبيت الحاج يوسف شلبية.

التهجير : تم احتلال بيسان وتهجير أهلها في الثاني والثالث عشر من أيار 1948. وقد كان الوضع في جبهة المدينة والمناطق المحيطة فيها بين أخذ ورد منذ مطلع العام 1948. وقد أنيطت مهمة الدفاع عن بيسان بقوات محلية جندتها اللجنة القومية من قدامى ثورة 1936 -1939 ومن رجال القرية الذين كان لهم تجربة عسكرية ممن خدموا في الجيش البريطاني وشرطة الانتداب.

بلغ مجموع هؤلاء المدافعين قرابة 150 مسلحاً هذا إضافة إلى قرابة 200 متطوع عربي جاؤوا مع وحدات جيش الإنقاذ. غادرت القوات البريطانية المدينة في الثامن والعشرين من نيسان مخلية ثلاث نقاط إستراتيجية مهمة أحاطت بالمدينة وهي محطة القطار في الجهة الشمالية الغربية من المدينة ومعسكر الجيش البريطاني في الجهة الشمالية ومركز الشرطة في جهة الجنوب الشرقي. سيطر اليهود على النقطتين الأوليتين، واستولوا في معسكر الجيش على كميات كبيرة من العتاد والذخيرة، في حين سيطر العرب على نقطة الشرطة. 

في العاشر من أيار تم احتلال قرية الأشرفية في الجهة الجنوبية للمدينة. وقد أثر سقوط تلك القرية سلباً على معنويات المدافعين عن بيسان. وفي الحادي عشر من الشهر ذاته سيطرت قوات جولاني اليهودية على تل حوسان المشرف على المدينة. ومن هناك بدأت بسلسلة من أعمال القصف والقنص لأحياء بيسان المختلفة. 

غداة ذلك اليوم تأهبت قوات الفرقة 13 من لواء جولاني لمهاجمة المدينة ليس قبل أن يتصل قائد تلك الفرقة، إبراهام يوفه، بزعماء اللجنة القومية في بيسان هاتفياً ودعوتهم للاستسلام وتسليم المدينة وذلك بتنسيق مع راجمات القنابل التي دكت مواقع المدافعين والأحياء السكنية بقصف متواصل.

طالب زعماء المدينة بهدنة لبضع ساعات واقترحوا لقاء يوفه في محطة القطار. هناك قدم لهم يوفه شروطه والتي تلخصت بتسليم المدينة وكافة الأسلحة والذخائر والسيارات وكذلك تسليم المقاتلين من غير الفلسطينيين ومقابل ذلك تعهد بإبقاء السكان وعدم تهجيرهم. طالب أعضاء الوفد البيساني بمهلة للتشاور وقد جاء جوابهم بالإيجاب بعد بضع ساعات. في صباح الثالث عشر من نيسان 1948 دخلت القوات اليهودية بيسان بعد أن كانت معظم القوات المدافعة عنها قد جلت عنها بما في ذلك رئيس البلدية الدكتور رشاد الشيخ درويش ورئيس وأعضاء اللجنة القومية. 

وعما جرى بعد ذلك يحدثنا الحاج أحمد سرحان (أبو محمد) من سكان بيسان ويقيم اليوم في قرية الفريديس حيث يقول: "بقي في بيسان بعد التهجير الأول ألف نسمة تقريبا، بقينا هناك شهرين. بعد ذلك جاء اليهود وجمعونا في ساحة السرايا، كنت أنا ووالدي مع آخر مجموعة تركت بيسان، وكانت معنا امرأة اسمها أم رضا السالم وأرسين الأرمني – الكندرجي. جاء إلينا ضابط يهودي من مستعمرة "معوز حاييم"، وقال: لماذا ما زلتم هنا؟ فقلنا: "جئنا نأخذ الأغراض ولم ندرك الباص المغادر إلى الناصرة".

وبينما كان الضابط يتحدث معنا جاءت طائرة عراقية تقصف فاختبأنا، بعدها بعث الضابط لنا سيارة وحملناها أغراضاً كانت لنا وأخرى ليست لنا ومن هناك نقلونا إلى الناصرة بعد أن قالوا: اختاروا فهذه الباصات واقفة: إما الأردن أو الناصرة أو جنين. خلال وجودنا بالساحة اكتشفنا أن الشنطة التي وضعت فيها النقود والمصاغ الذهبي ظلت في الدار فهربت من الطوق ووجدت الشنطة في ساحة الدار بعدها لما رجعت كان الباص قد بدأ بالمغادرة، تعرضت له في الطريق وطلعت. لولا تلك الشنطة لكنا صرنا شحادين في الشوارع". 

لم يف يوفه بتعهده وقام بإجلاء سكان المدينة العرب عنها. وفي مقابلة كنا قد أجريناها عام 2002 مع الضابط بلتئيل سيلع والمشهور لدى العرب باسم "بلطي"، الذي تولى تنظيم حركة الباصات والشاحنات التي أحضرت لبيسان لتنفيذ عملية التهجير، علل عملية التهجير بإمكانية تعاون سكان بيسان مع القوات العربية النظامية التي كان من المقرر أن تدخل فلسطين بعد ذلك بيومين. في عام 1949 أقيمت على أنقاض بيسان العربية مدينة بيت شان اليهودية

McNabulsy
 
 

الجنس : ذكر
الدولة :
عدد المساهمات : 1020
نقاط النشاط : 1444
تقييمك : 5
تاريخ التسجيل : 08/06/2015
العمر : 18

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://inkor.ibda3.info/

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

default رد: حلقات من دفاتر النكبة

مُساهمة من طرف McNabulsy في الخميس 17 مارس - 21:36

[b]من دفاتر النكبة (13): 
فوزي القاوقجي ومعركة "مشمار هعيمق"../ 



تعتبر شخصية فوزي القاوقجي من الشخصيات المؤثرة والمثيرة للجدل في التاريخ الفلسطيني الحديث خاصة في تلك الفترة المفصلية التي جمعت ثورة 1936 -1939 ونكبة 1947 -1947. شهدت كيفية تسجيل نشاطه في النضال الوطني الفلسطيني في الذاكرة الجماعية الفلسطينية والعربية مراوحة بين وصفه بالبطل المغوار والقائد العسكري المتمرس في مراحل معينة (خاصة في تلك الفترة الدقيقة المشار إليها أعلاه) وبين نعته بعد ذلك بالخيانة أو التقصير والتفريط على أقل تقدير. 

ولد فوزي القاوقجي في طرابلس لبنان عام 1890، تجند في الجيش العثماني وترقى إلى رتبة ضابط كبير في سلاح الخيالة. شارك في معارك الحرب العالمية الأولى على أكثر من جبهة: في العراق والبلقان وفلسطين، وجرح فيها أكثر من مرة.

اشترك القاوقجي كذلك في الثورات السورية المختلفة في عشرينيات القرن الماضي وعند تأسيس الكلية العسكرية في بغداد عين محاضراً فيها، وهناك حصل على الجنسية العراقية التي كانت قد سحبت منه بعد ذلك بعد اشتراكه في ثورة أيار 1941 التي قادها رشيد عالي الكيلاني.

في الثورة الفلسطينية لعام 1936 -1939 قاد القاوقجي أربعة فصائل من المتطوعين العرب الذين وصلوا إلى فلسطين في آب 1936 وغادروها في تشرين أول من السنة ذاتها. أقام القاوقجي قيادة له على جبل حريش قرب قرية صانور في منطقة المثلث الكبير ( جنين – نابلس –طولكرم ). وهناك انضمت إليه بعض الفصائل المحلية ليخوض معها أربع معارك ضد القوات البريطانية في بلعا وجبع وبيت أمرين وكفر صور. بعد هذه المعارك التي حقق فيها القاوقجي بعض المنجزات وأظهر فيها بعض ملامح القيادة الميدانية، أحكم البريطانيون حصارهم لقواته في منطقة جنين وسهل طوباس. وقد توصل الطرفان، كما يبدو، إلى تفاهمات سمحت للقاوقجي وقوات المتطوعين العرب بمغادرة فلسطين في الرابع عشر من تشرين الأول من خلال فتحة في الطوق بجانب إحدى العبّارات على نهر الأردن. وعند تجدد الثورة المسلحة في تموز 1937 كان قادتها هذه المرة من الفلسطينيين. 

لم تنته بذلك قصة القاوقجي مع فلسطين، فمع اندلاع المصادمات المسلحة بين العرب واليهود على أثر صدور قرار التقسيم من قبل الأمم المتحدة في تشرين الثاني 1947، قامت اللجنة العسكرية التابعة للجامعة العربية بإرسال بعض الألوية العسكرية على عجل، وقد أطلق على هذه الألوية اسم " جيش الإنقاذ ". كان هذا الجيش تحت القيادة العليا للجنرالات العراقيين إسماعيل صفوت وطه الهاشمي، في حين أشغل القاوقجي منصب القائد الميداني في منطقة المثلث الكبير والأغوار في مراحل القتال الأولى وفي منطقة الجليل في مراحلها المتأخرة. 

يقع كيبوتس "مشمار هعيمق"، الذي كان تأسس عام 1926 وكان يسكنه في ذلك الحين 600 نسمة، على جانب الطريق الرئيسي الذي كان يربط جنين بحيفا، على بعد قرابة 26 كم إلى جهة الجنوب الشرقي من حيفا. وقد أحاطت به بعض القرى العربية مثل أبو شوشة، أبو زريق والغبيّات. 

في مطلع نيسان 1948 أراد القاوقجي أن يخفف من الضغط اليهودي على الأحياء العربية في حيفا من خلال مهاجمة بعض المستوطنات اليهودية الواقعة على طريق حيفا جنين وقد وقع الاختيار على كيبوتس "مشمار هعيمق".

جعل القاوقجي من قرية المنسة (آخر قرى قضاء جنين من جهة حيفا ) مقراً لتجميع وتنظيم القوات المهاجمة. اشترك في عمليات التحضير للهجوم فوج القادسية بقيادة الضابط العراقي صالح مهدي، وفوج اليرموك بقيادة الضابط السوري محمد صفا، وسرية من فوج حطين كانت تحت القيادة المباشرة لفوزي القاوقجي، هذا إضافة إلى فصائل مسلحة من المقاتلين الفلسطينيين قادهم علي الفارس محاميد من أم الفحم. كان بحوزة القوات المهاجمة بطاريتا مدافع فرنسيتا الصنع من عيار 75 ملم وراجمات هاون من عيار 81 ملم وعشر مدرعات خفيفة. 

في ساعات بعد الظهيرة من يوم الرابع من نيسان 1948، بدأت القوات المهاجمة عملية الهجوم بقصف مركز على الكيبوتس، وقد سبب القصف أضراراً هائلة خاصة بكل ما يتعلق بالبنى التحتية وخطوط الدفاع الأولى. وما أن حلت ساعات المساء الأولى حتى كان قرابة 400 مقاتل من جيش الإنقاذ يقطعون الأسلاك الشائكة المحيطة بالمستوطنة، ويشتبكون مع المدافعين من قوات "الهاجاناه" وجهاً لوجه. استغل المدافعون توقف القتال في ساعات الليل ليخرجوا من الكيبوتس (من جهة الغرب التي كانت مازالت مفتوحة ) النساء والأطفال كما ووصلتهم نجدات جدية من السلاح وكتيبة كاملة من قوات "الهاجاناه" بقيادة مئير عميت. 

في صباح يوم الخامس من نيسان واصلت قوات جيش الإنقاذ التي كانت قد تمركزت على الشارع الرئيسي جنين – حيفا ( قرابة المئة متر شرقي مشمار هعيمق) قصفها الشديد للكيبوتس، وقام المقاتلون الفلسطينيون تحت غطاء ذلك القصف بالاستيلاء على بعض التلال المهمة المحيطة بالمستوطنة، خاصة تل خربة بيت راس الواقع شمالها. 

في ظهيرة اليوم ذاته تدخل قائد القاعدة الجوية البريطانية المجاورة، وعرض وقفاً لإطلاق النار لمدة 24 ساعة ليتسنى إخلاء القتلى والجرحى. وسارع الطرف اليهودي بقبول العرض، ولم يتردد الطرف العربي بقبوله هو الآخر الأمر الذي يطرح جملة من التساؤلات حول مدى حاجة الطرف العربي لهذا الوقف لا سيما وأنه كان على وشك إتمام احتلال المستوطنة. وقد يكون لهذا الموقف بالذات حصة الأسد في الشائعات التي انطلقت حول شخصية القاوقجي وعن وجود علاقات خفية بينه وبين القوات اليهودية. 

استغل الطرف اليهودي فترة الأربع وعشرين ساعة أحسن استغلال، وقد تم إخلاء كافة السكان من غير العسكريين واستقدام كميات كبيرة من الأسلحة والذخيرة والمقاتلين، حيث قدم إلى منطقة الجعّارة (على بعد ثلاثة كيلومترات إلى الغرب من مشمار هعيمق ) اللواء الأول التابع لقوات "البلماح" بقيادة حاييم أبي نوعم. وضع الأخير خطة الهجوم المضاد الذي نوت القوات اليهودية شنه فور انتهاء الهدنة القصيرة. وقد اقتضت خطة الهجوم أن تقوم قوات "البلماح" بشن سلسلة من هجمات التغطية والتضليل على بعض القرى العربية في المنطقة وذلك بقصد تشتيت الجهد العربي في منطقة "مشمار هعيمق" وتجنيب الكيبوتس الدمار في حالة لو انطلق الهجوم من داخله.

بدأ الهجوم المضاد في الثاني عشر من نيسان 1948 حيث نجحت قوات "البلماح" باحتلال قرى الغبيات وأبو شوشة وأبو زريق وهاجمت المنسة واللجون، لكنها لم تنجح في حينه باحتلالها، وقد هدمت القرى التي جرى احتلالها على الفور وذلك لمنع عودة سكانها ومنع استغلالها مجدداً قواعد لمهاجمة القوات اليهودية. أصاب سقوط تلك القرى السريع جنود جيش الإنقاذ المهاجمين لـ"مشمار هعيمق" بالإحباط هذا إضافة إلى أخبار محبطة أخرى وصلت من جبهة القدس تحدثت عن استشهاد عبد القادر الحسيني، قائد جيش الجهاد المقدس الفلسطيني، في معركة القسطل في الثامن من نيسان وأخبار المجزرة الفظيعة التي وقعت غداة ذلك أثناء احتلال القوات اليهودية لقرية دير ياسين المحاذية للقدس. 

هاجمت قوات "البلماح" قوات القاوقجي من جهتين: من جهة الغبيات في الجنوب، ومن جهة أبو شوشة من الشمال، وأصبح مقاتلو جيش الإنقاذ في مرمى نار القوات المهاجمة من الجهتين، إضافة إلى نيران المدافع الرشاشة التي انطلقت من داخل الكيبوتس. وبذلك وقع الجنود الذين كانوا ينتظرون استسلام الكيبوتس في مصيدة نيران شديدة أدت إلى سقوط العشرات منهم وتراجع الباقين إلى المنسة واللجون. وبذلك انتهت هذه المعركة بفشل الهجوم وتراجع جيش الإنقاذ إلى مواقع دفاعية.

كان مجموع قتلى القوات اليهودية في المعركة قرابة العشرين في حين بلغ عدد الجرحى العشرات، أما في الطرف العربي فقد قدر عدد الإصابات بمائة بين شهيد وجريح. 

أثر فشل القاقوجي في "مشمار هعيمق" معنوياً على معنويات المقاتلين في العديد من المدن والقرى العربية، كانت أولها مدينة حيفا التي سقطت في الثاني والعشرين- الرابع والعشرين من نيسان وباقي القرى في الجهة الشرقية الجنوبية لقضاء حيفا والتي سقطت في تلك الفترة تباعاً
[/b]

McNabulsy
 
 

الجنس : ذكر
الدولة :
عدد المساهمات : 1020
نقاط النشاط : 1444
تقييمك : 5
تاريخ التسجيل : 08/06/2015
العمر : 18

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://inkor.ibda3.info/

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

default رد: حلقات من دفاتر النكبة

مُساهمة من طرف McNabulsy في الخميس 17 مارس - 21:37

من دفاتر النكبة (14): 
طيرة الكرمل: حكاية نضال وصمود وتهجير
صورة جامع طيرة الكرمل الذي حول إلى كنيس
طيرة الكرمل التي تعرف أيضاً باسم طيرة اللوز هي قرية من قرى قضاء حيفا الانتدابي، وتبعد عنها مسافة 10 كيلومترات باتجاه الجنوب. تمتد أراضيها من منطقة جامعة حيفا في أعلى الجبل وحتى شاطئ البحر في الغرب، ومن حي "دانيا" في الشمال وحتى أراضي عين حوض في الجنوب. كما وتحيط بالقرية بعض الخرب مثل خربة الدامون والشلالة وعين الحايك وخربة لوبية. 

بلغ عدد سكان الطيرة،عشية النكبة، 5800 نسمة في حين بلغت مساحة أراضيها قرابة 45000 دونم. ومن العائلات التي سكنت الطيرة يمكن أن نذكر: أبو راشد، السلمان، القوصيني، درباس، بستوني، زيدان، البطل، غنّام، حجير، أبو عيسى، الباش، الهندي، العسل، شبلاق، الناجي، باكير، بهلول، الحامولي، الشايب، الرباني، عمورة، السعدي، شلّح، الأبطح، أبو جاموس، دلول، أبو طايع، عسقول، الحسن، عويس، التيّم، بدران، قزلي والحميدي وعائلات أخرى. 

كان في القرية مدرستان (الحديثة منهما أنجز بناؤها عام 1947 وتعلم فيها أبناء الطيرة فصلا دراسيا واحدا قبل التهجير واللجوء وهي مكونة من ثلاثة طوابق تستعمل حتى اليوم مدرسة يهودية ثانوية) ومسجد جامع (حوله المستوطنون الجدد إلى كنيس ) ومقامان (مقام الشيخ خليل ومقام الشيخ عبد الله). 

الطيرة وثورة 1936 -1939 :
شاركت الطيرة في النضال الوطني الفلسطيني منذ بدايته، حيث شارك العديد من أبنائها في هبة البراق نذكر منهم نمر قبيعة ومحمد عبد السلام وإبراهيم الصرفندي ومحمود التيّم وأسعد الدعاس وخالد محمد السمير. في حين انضم العديد من أبنائها المقيمين أو العاملين في حيفا إلى الخلايا المسلحة التي أقامها الشيخ عز الدين القسام في مطلع الثلاثينيات، ومنهم حسن الزواوي وعيسى البطل والشيخ حسن شبلاق وصالح أبو ليل ومحمد أبو طايع وأحمد غنّام وآخرون. وقد كان لهؤلاء الفضل الكبير في إقامة لجنة قومية في الطيرة وتأجيج نار إضراب وثورة 1936 -1939 عند انطلاقها في نيسان 1936. 

وفي أثناء الثورة تأسس في الطيرة فصيل كبير بقيادة الشيخ رشيد عبد الشيخ الذي كان يعمل تحت قيادة الشيخ عطية عوض من بلد الشيخ. وقد اشترك هذا الفصيل في عدة معارك منها معركة أم الدرج ومعركة أم الفحم ومعركة لد العوادين ومعركة أم الزينات. كما وشارك في اقتحام سجن عتليت. 

استشهد من أبناء الطيرة في ثورة 1936 – 1939 كل من : الشيخ رشيد عبد الشيخ، الشيخ ديب المحمد، حسن موسى السعدي، محمود أبو حسان، عيسى مفلح أبو راشد، محمود نمر درباس، محمد قاسم الشواهين، أحمد موسى الباش، أسعد سيّد أبو راشد، عبد الله يوسف أبو راشد، محمد أحمد السلمان ومحمود أبو حسان. 

معركة الصمود ومرارة التهجير :
مع اندلاع المواجهات بين العرب واليهود على أثر صدور قرار التقسيم بدأت معركة صمود الطيرة التي استهدفتها الهجمات العسكرية اليهودية منذ بداية كانون الأول 1947. ففي بداية هذا الشهر استشهد المواطن الطيراوي عبد الرازق عبد النور في سوق الحسبة في حيفا في حادث تفجير قنابل وضعتها وحدة تابعة لمنظمة "الإيتسيل" المتشددة. ولم تستفق الطيرة من جرحها هذا إلا على حادث أشد هولاً عندما قامت خلية أخرى تابعة لنفس المنظمة بمهاجمة بعض بيوت الحارة الشمالية في الطيرة مستخدمة الرشاشات والقنابل اليدوية. وقد استشهد في هذا الهجوم 12 شخصاً وجرح ستة كانت غالبيتهم من عائلة حجير. 

على أثر ذلك تأسست في الطيرة لجنة قومية للدفاع تكونت من: المختار عبد الله السلمان، سلمان عبد الله حجير، أحمد سليمان الصادق نايف العبد المحمود، حافظ النجم، راجح الفهد، عبد الرحمن البطل، موسى نمر أبو راشد، محمود حسن عمورة وأحمد محمود أبو غيدا. ثم استمر التراشق بالنيران بين مدافعي الطيرة ومسلحين يهود كانوا يأتون عادة من حي "أحوزا" طيلة كانون الثاني وشباط وآذار 1948. وفي السابع والعشرين من آذار 1948 جرت معركة بين مدافعي الطيرة ومجموعة تابعة لقوات "الهاجاناه" في منطقة وادي العين الواقعة شرقي الطيرة. وقد استشهد في هذه المعركة كل من مصلح خليل غنام ونمر منصور باكير وفيصل خضر القزلي. 

في منتصف نيسان وصل إلى الطيرة بعض الضباط العراقيين والسوريين، ومعهم عشرات المتطوعين الذين عملوا على تدريب المدافعين وإقامة خطوط دفاع مضادة للدروع خاصة من الجهتين الشرقية والشمالية. 

وفي الليلة الواقعة بين الخامس والعشرين والسادس من عشرين من نيسان 1948 قامت قوات يهودية راجلة معززة ببعض المركبات المسلحة بالرشاشات ومدفعين من طراز "براوننغ" وقاذفتي هاون، بمهاجمة الطيرة وذلك بقصد فحص قدرات الطيرة الدفاعية بعد سقوط مدينة حيفا قبل ذلك بثلاثة أيام. أطلق على هذه العملية اسم "حوف 1" أي "الشاطئ 1". بدأت في تمام الساعة الثالثة والربع فجراً، واستمرت حتى السابعة صباحاً بعدما نجح المدافعون بصد الهجوم ومنع المركبات اليهودية من التقدم. واستشهد جراء عملية القصف أربعة مواطنين وأحد المدافعين، في حين قتل أحد المهاجمين وجرح خمسة آخرون. وفي رسالة بعثها قائد العملية للقيادة المنطقية لـ"الهاجاناه" في حيفا قال: "وجدنا أن القرية محصنة كاللازم، وأن المدافعين يسيطرون على نقاط استراتيجية في مساحة قطرها كيلومتر واحد في أطراف القرية. كما ووجدنا المدافعين يتمتعون بمعنويات عالية وقدرات قتالية فعّالة".

بعد فشل هذه العملية كانت هناك صورة ضبابية عما يجري داخل الطيرة سيما وأن المدافعين قاموا بزرع الألغام على الطرق والمسالك الترابية المؤدية إليها. وقد تضاربت التقارير التي وردت لقيادة القوات اليهودية في المنطقة، ففي أحد التقارير التي كتبها أحد المخبرين العرب الذي نجح بالخروج من الطيرة قبل عملية زرع الألغام بأن عدد المقاتلين هناك يربو على الثمانمائة مقاتل، من أبناء الطيرة وقرى أخرى لجأوا إليها بعد تهجيرهم من قراهم الأصلية. 

أما تقرير آخر فيتحدث عن ثمانين من العراقيين والسوريين والباقي من الفلسطينيين يقدرون بالعشرات. وعلى الأغلب فإن القول الثاني هو الأقرب إلى الدقة لأن مجموع ما خرج من الطيرة من المقاتلين بعد سقوطها في السابع عشر من تموز 1948 كان أقل بكثير من رقم الثمانمائة. أما بالنسبة للعتاد فقد كان مقاتلو الطيرة قد استولوا على بعض العتاد الثقيل والمدافع والرشاشات الحديثة من المعسكر البريطاني الذي كان غربي القرية، بل إن بعض التقارير التي وصلت القيادة اليهودية تتحدث عن وجود دبابتين وأكثر من عشرة مدافع من طرازات مختلفة وعشرات الرشاشات من طراز برن وهوتشكيز والكثير من صناديق الذخيرة. وتحدث أيضا أحد هذه التقارير عن وجود ثمانية من الضباط والجنود البريطانيين الذين تركوا المعسكر البريطاني بعد خروج الإنجليز من فلسطين وانضموا للمدافعين عن الطيرة.

لا شك أن هناك بعض المغالاة في هذه التقارير خاصة فيما يتعلق بجنود انجليز انضموا للمدافعين عن الطيرة إذ لم نجد في الروايات الشفوية ذكراً لذلك. 

منذ نهاية نيسان بدأ الضغط العسكري اليهودي على الطيرة يزداد يوماً بعد يوم، وتحول في أيار إلى قصف من الجو والبحر والبر بشكل شبه يومي، الأمر الذي جعل قادة الحامية يعمدون لإخلاء النساء والأطفال والشيوخ إلى قرى جبع وإجزم وعين غزال، وعائلات أخرى إلى منطقة وادي عارة. 

في الأسبوع الثاني من تموز تحدث التقارير الاستخباراتية اليهودية عن مغادرة جماعية للسكان خلا المقاتلين، وبناء على هذه المعلومات تعرضت القرية لقصف جوي رهيب طيلة الأسبوع الواقع بين العاشر والسابع عشر من الشهر ذاته أسفرت عن استشهاد أكثر من عشرين شخصاً من المدافعين والأهلين. وبسبب تناقص الذخيرة والمؤن بشكل كبير تشكلت لجنة من السكان الباقين لمفاوضة اليهود على تسليم القرية وإبقائها قرية مفتوحة وآمنة، ولكن المفاوضين اليهود وضعوا شروطاً تعجيزية وطلبوا استسلام القرية بلا قيد أو شرط، الشيء الذي لم يدع لوفد الطيرة أي بديل عن الاستمرار بالقتال حتى الطلقة الأخيرة وهذا ما حصل بالفعل وقد لخص قائد العملية من لواء "الكسندروني" عملية احتلال الطيرة في السابع عشر من تموز 1948 كالتالي: "قرية الطيرة الواقعة بجانب حيفا احتلت هذا الصباح من قبلنا بعد مقاومة عنيدة، عمليات تطهير القرية ما زالت مستمرة، بعض السكان نجحوا بالفرار نحو جبع وإجزم".

أثناء احتلال القرية تم اعتقال عشرات الشبان وبعثهم إلى معسكر الاعتقال في عتليت، أما من بقي من السكان فقد حملوا في شاحنات أنزلتهم في مفرق اللجون ليتوجهوا إلى المناطق التي تسيطر عليها القوات الأردنية.

وتفيد الروايات الشفوية أنه أثناء عملية الطرد لم يتمكن بعض العجزة وكبار السن من اللحاق بركب التهجير السائر تحت حث الجنود وعصيهم الغليظة، فتم تجميعهم في أحد حقول القمح المجاورة لمفرق اللجون وحرقوا أحياء. ويتراوح عدد هؤلاء حسب الروايات المختلفة بين 14 -21 شهيداً وشهيدة. 

بقيت بعض العائلات شرقي الطيرة فترة تقارب الخمسين عاماً، وكان عددهم في الستينيات والسبعينيات قرابة 300 نسمة. أقيمت لهم مدرسة أغلقت أبوابها عام 1979 وبعدها بدأ عقدهم بالانفراط والمغادرة إلى عسفيا وحيفا وأماكن أخرى وذلك في ظل عدم الاعتراف بهم وتزويدهم بالخدمات الأساسية، علماً بأنه لم يبق منهم اليوم سوى عائلتبن اثنتين تذكران ما كان مرة قرية زاخرة بالحياة تسير بخطى حثيثة نحو التحديث والتطور

McNabulsy
 
 

الجنس : ذكر
الدولة :
عدد المساهمات : 1020
نقاط النشاط : 1444
تقييمك : 5
تاريخ التسجيل : 08/06/2015
العمر : 18

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://inkor.ibda3.info/

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

default رد: حلقات من دفاتر النكبة

مُساهمة من طرف McNabulsy في الخميس 17 مارس - 21:37

من دفاتر النكبة (15): 
حكاية بئر السبع عاصمة الجنوب المنسية
لعل قصة مدينة بئر السبع هي من أشد نقاط الضعف التي تعانيها الرواية التاريخية الفلسطينية، خاصة فيما يتعلق بقصة التهجير واللجوء. في حين يبدو تغييب الرواية الصهيونية للماضي العربي لبئر السبع أمراً معروفة دوافعه وأهدافه فإن هذا التغييب والتجاهل من الرواية الفلسطينية هو أمر غريب بل ومستهجن. 

إزاء هذا الإهمال من جانب الرواية الفلسطينية علينا أن لا نعجب من تبني طلابنا الجامعيين وطالبي العلم والمعرفة على مختلف اهتماماتهم ومشاربهم لرواية الطرف المهيمن، لأن هذه الرواية هي الرواية السائدة والشائعة والمتواجدة في متناول اليد. 

اسم بئر السبع هو اسم قديم ينسب البئر إلى سبع (حيوان بري مفترس) كان يعيش في محيطها، وليس كما يحاول البعض تفسيره بأنه نسبة إلى سبع آبار كما تقول الرواية العبرية، وإذا كان الأمر كما يقولون فلماذا سبق المعدود العدد؟ ولماذا تظهر لفظة بئر بصيغة المفرد إذا كان الحديث عن سبع آبار بالفعل؟ 

هناك مغالطة تاريخية نرى لزوماً علينا تصحيحها وهي القول بأن مدينة بئر السبع أقيمت عام 1900. ما علينا قوله هو إن العثمانيين جددوا بناء بئر السبع عام 1900 وذلك كي تكون مناسبة لمكانة عاصمة القضاء، والأصح القول بأنها مدينة قديمة أقيمت على الأغلب في عهد الكنعانيين وازدهرت في العصور التالية، وفي صدر الإسلام أطلق عليها البعض اسم "بلد عمرو" أو "مدينة عمرو"، وذلك نسبة لعمرو بن العاص فاتح مصر الذي يقال بأنه قضى الفترة الأخيرة من حياته في بئر السبع وكذلك فعل ابنه عبد الله. 

كانت بئر السبع في هذه الفترة مفترق طرق ومحطة تجارية مهمة على الطريق بين مصر وبلاد الشام. ولكن تحول الاهتمام إلى طرق ونقاط أخرى أثر على مكانة هذه المدينة التي أهملت في القرن الحادي عشر الميلادي وتراجعت لتكون بلدة صغيرة في العهود الأيوبية والمملوكية، وعندما دخلها العثمانيون عام 1519 تحدثوا عن "بلدة صغيرة ومهملة". 

بئر السبع الحديثة: عادت الحياة تدب في شرايين بئر السبع بعد أن قرر العثمانيون جعلها عاصمة لقضاء الجنوب الذي كان أكبر الأقضية في فلسطين (شكل فيما بعد 40 % من مساحة فلسطين الانتدابية)، حيث أقيم فيها مجلس بلدي ودار للحكومة. وتسارع تطور المدينة بعد وصول سكة الحديد الحجازية إليها عام 1905 الشيء الذي جعلها تلعب دور الحاضرة المدنية لمناطق النقب كافة، بحيث أصبحت مركز جذب لأبناء الأرياف والبادية الذين وجدوا فيها رزقاً ومتنفساً. وفي الحرب العالمية الأولى اكتسبت بئر السبع مكانة مميزة بسبب جعلها قيادة لجمال باشا لبضع الوقت وقد اصدر فيها جريدة ناطقة باسمه سماها "الصحراء المصورة". 

بدأ المبنى الاجتماعي لسكان المدينة بالتشكل بداية من عائلات الموظفين الذين جاؤوا من مدن أخرى كغزة والقدس ويافا ونابلس، وبعد ذلك بدأت عملية توطين طبيعية لأبناء البادية الذين أخذ عددهم بالتزايد ليصبحوا أغلبية سكان المدينة في الثلاثينيات والأربعينيات من القرن الماضي. 

في هذه الفترة، تزايد عدد سكان المدينة تزايداً ملحوظاً فمن 300 نسمة عام 1900 وصل عددهم إلى 7200 نسمة عام 1948. هذا علماً بأن عدد السكان عشية النكبة كان أكثر من ذلك بكثير لأن العديد منهم كانوا يعدون مع عشائرهم خارج المدينة وليس مع سكانها. 

كان في بئر السبع مدرستان ابتدائيتان، واحدة للبنين وأخرى للبنات ومدرسة داخلية. وفي العام الدراسي 1947 -1948 (العام الدراسي الأخير قبل النكبة) أصبحت المدرستان مدرستين ثانويتين وكان مجموع عدد الطلاب فيهما 600 طالب منهم 290 طالبة. 

كانت منطقة بئر السبع منطقة ناشطة في ثورة 1936 -1939 وقد تولى بعض شيوخ العشائر قيادة الفصائل الثورية في المنطقة التي عدت ضمن منطقة نشاط قائد منطقة الخليل عبد الحليم الجولاني (الشلف) الذي احتل مدينة بئر السبع في تشرين الثاني عام 1938.

التهجير: تولت الدفاع عن مدينة بئر السبع وحدات شبه نظامية من المتطوعين العرب بقيادة عبد الله أبو ستة ووحدات من متطوعي الأخوان المسلمين الذين عملوا، قبل ذلك، تحت قيادة الشهيد أحمد عبد العزيز وبعض مفارز المشاة من الجيش المصري.

بلغ مجموع المقاتلين العرب هناك قرابة 400 مقاتل، تحصنوا في مبنى شرطة المدينة وفي محطة القطار التركية وفي مدرستي المدينة. وكان سلاحهم مكوناً، بالإضافة للبنادق الخفيفة، من سبع قاذفات هاون، مدفعين زنة ستة أرطال وبطارية مدفع جبلي عيار 3.7 بوصة، و3 مدافع مضادة للطائرات وأربع مدرعات خفيفة غنموها من الجيش الإسرائيلي بعد معركة عراق المنشية الأولى وثلاث مدرعات بريطانية خفيفة. 

بدأ الهجوم الإسرائيلي على بئر السبع تمام الساعة الثالثة من مساء العشرين من تشرين الأول 1948 من خلال قصف جوي مركز وعنيف وقصف مدفعي من مدافع تمركزت إلى الغرب من المدينة، في منطقة كيبوتس "حتسيريم".

بعد ساعتين من صب الحمم على المدينة تقدمت وحدة من اللواء الإسرائيلي التاسع، واحتلت الحي الحديث الذي كان خارج خطوط الدفاع المحفورة المانعة للمدرعات والتي أقيمت حول الأحياء القديمة. عند وصول طلائع القوة الإسرائيلية إلى منطقة المقبرة الإسلامية ووجهت بمقاومة عنيفة نجحت بإيقافها وتكبيدها العديد من الخسائر بشكل استدعى التراجع بقصد التعامل مع الحامية العربية بالقصف الجوي مجدداً. 

بعد قصف جوي مركز لفترة ساعات إضافية استطاعت وحدة مشاة مهاجمة من اقتحام محطة القطار ومبنى المدرسة الداخلية، وبذلك تم تطويق الحامية التي تجمعت مجدداً في مبنى الشرطة من الوراء. وقد دارت على إثر ذلك معركة وجهاً لوجه وفي السلاح الأبيض من شارع إلى شارع ومن بيت إلى بيت. 

وفي الساعة العاشرة إلا ربعاً تم إخضاع آخر نقاط المقاومة، التي تعرضت للهجوم من جهات مختلفة، وأسر من كان داخل مركز الشرطة من جنود مصريين ومتطوعين فلسطينيين.

خسرت القوات المهاجمة ستة قتلى و21 جريحاً، في حين بلغت خسارة الطرف العربي 12 شهيداً من المقاتلين و21 شهيداً من المدنيين، في حين أصيب بجراح 44 شخصاً من المقاتلين والمدنيين. 

وهكذا نجحت القوات اليهودية باحتلال بئر السبع، حاضرة النقب العربي، وتهجير أهلها بعد أن فشلت باحتلال عراق المنشية والفالوجة قبل ذلك بأسبوع. وقد بقيت هاتان القريتان صامدتين فيما عرف باسم " كيس الفالوجة " حتى إخلائهما من قبل الجيش المصري طبقاً لاتفاقية الهدنة الموقعة بين مصر وإسرائيل في شباط عام 1949

McNabulsy
 
 

الجنس : ذكر
الدولة :
عدد المساهمات : 1020
نقاط النشاط : 1444
تقييمك : 5
تاريخ التسجيل : 08/06/2015
العمر : 18

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://inkor.ibda3.info/

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

default رد: حلقات من دفاتر النكبة

مُساهمة من طرف McNabulsy في الخميس 17 مارس - 21:38

من دفاتر النكبة (17): 
قصة معركة عراق المنشية
عراق المنشية قرية من قرى قضاء غزة الانتدابي، تبعد عن غزة 30 كم باتجاه الشمال الشرقي. تحدها من الغرب قرى الفالوجة وحتّا والجسير وعراق سويدان ومن الشمال الغربي صميل الخليل ومن الشرق بيت جبرين وزيتا الخليل وقد انتشرت من حولها كذلك مضارب عشيرة الجبارات. 

بلغ عدد سكان القرية عشية النكبة قرابة 2500 نسمة، في حين بلغت مساحة أراضيها 14000 دونم زرعت معظمها بالغلال والحبوب والقسم الأخر ببساتين الفواكه (العنب واللوز والزيتون والحمضيات) والخضراوات. كان في القرية مسجدان ومقام (مقام الشيخ أحمد العريني الذي كان يقع على تل صغير في الجهة الشمالية للقرية)، وكذلك مدرسة بلغ عدد طلابها عشية النكبة 270 طالباً. 

في ثورة 1936 -1939 كان في القرية فصيل ثوري نسق نشاطه مع قائدي منطقة الخليل عيسى البطاط وبعده عبد الحليم الجولاني. 

في حرب عام 1948 وبعد دخول الجيش المصري فلسطين (مع باقي الجيوش العربية ) في الخامس عشر من أيار 1948 تمركزت في عراق المنشية والفالوجة وحدات من الكتيبة المصرية السادسة التي كان يقودها العقيد سيد طه (المعروف بلقب الضبع الأسود ) في حين كان الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر قائد أركان هذه الكتيبة وقد كان في حينه برتبة بكباشي (مقدّم).

في شهر تشرين الأول 1948 بدأ تراجع للقوات المصرية بعدما كانت قد وصلت إلى منطقة شمال أسدود (على بعد 17كم من تل أبيب) في الغرب وإلى منطقة الخليل وبيت لحم في الشرق. 

في الخامس عشر من تشرين الأول قامت وحدة إسرائيلية تابعة للواء "يفتاح" باحتلال خربة الراعي الإستراتيجية المسيطرة على شارع المجدل – الخليل. وقد أوجب ذلك من الجيش المصري محاول استعادة هذه النقطة المهمة. ويفيد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر في مذكراته عن حرب فلسطين أنه أشرف بنفسه على التحضيرات للهجوم المعاكس الذي تحدد له تمام الساعة الخامسة من فجر يوم السادس عشر من الشهر ذاته.

عندما كانت التحضيرات المصرية للهجوم المعاكس بأوجها والتي كانت تتم في قرية عراق المنشية، قرر يجئال ألون، القائد الإسرائيلي للمنطقة الجنوبية في حينه، مهاجمة عراق المنشية ومنع خروج القوات المصرية للهجوم، وقد حدد ساعة الصفر للهجوم الإسرائيلي الموعد المصري ذاته. 

كانت خطة الهجوم الإسرائيلي تقضي بأن تتم مهاجمة عراق المنشية من الشمال، وأن تشترك فيه قوات تابعة للوائين السابع والثامن التابعين للواء النقب بقيادة عوزي نركيس على أن تفوز هذه القوات بدعم من سلاح الجو واللواء المدرع الثاني والثمانين الذي أمد العملية بطاقمين انجليزيين لدبابتي "كرومويل" مع مدافع قطرها 57 ملم وثمانية طواقم شغلت ثماني دبابات فرنسية من طراز هوتشكيز مع مدافع قطرها 37 ملم، هذا إضافة إلى بضعة مدرعات خفيفة وسيارات الجيب المصفحة. 

كان من المفروض أن تتم السيطرة على بعض مرابض المدفعية المحيطة بكيبوتس "جات" والمشرفة على عراق المنشية، وذلك تحت غطاء من القصف الجوي المركز، والذي كان من المفروض أن يبدأ تمام الساعة الخامسة صباحاً ولكن الطائرات تأخرت بالوصول وتم إرجاء الشروع به ساعة كاملة، بحيث بدأ بقصف مركز على مدرسة القرية التي تحصن فيها الجنود المصريون وبقصف على طول الشارع العام الذي يربط عراق المنشية بالفالوجة. 

لم يطل الوقت وبدأ المصريون يردون على القوات المهاجمة بقصف مدفعي عنيف بقنابل زنة 25 رطلاً، من المدافع المصرية المنصوبة في الفالوجة وفي تل الشيخ العريني المشرف على عراق المنشية. ولما لم يكن لظهور الدبابات الإسرائيلية العامل النفسي الهدام الذي توقعه يتسحاق سديه في توجيهاته للقوات المهاجمة، بدأت القوات المصرية بهجوم معاكس ضد بعض السرايا الإسرائيلية التي نجحت بالتسلل نحو القرية تحت غطاء القصف المدفعي والجوي المركز. كانت المعركة الفاصلة في محيط مدرسة القرية التي وصلت طلائع القوة الإسرائيلية المدرعة إلى بعد أمتار قليلة عنها. وهناك تم إعطاب دبابتين من طراز هوتشكيز والاستيلاء على أخريين في حين تم إصابة وأسر كافة طواقمها. 

مع تقدم ساعات القتال تمت إصابة أكثر من ثلث القوات المهاجمة وإعطاب نسبة كبيرة من عتادها الحربي، في حين لم يتمكن سلاح الجو من التدخل في ظل الالتحام الحاصل بين القوات في محيطي المدرسة وتل الشيخ العريني. 

تراجعت القوات المهاجمة في الساعة العاشرة قبل الظهر لتبدأ موجة هجوم أخرى في الحادية عشرة، وقد قام المدافعون المصريون بصد هذه الموجة أيضاً تمام الثانية بعد الظهر بعد أن تكبدت المزيد من القتلى والجرحى وخسرت أربع دبابات أخرى. 

لم تيأس القوات المهاجمة وزجت لأرض المعركة بقوات جديدة بدأت هجوماً ثالثاً في الرابعة والنصف استمر حتى غروب الشمس. وقد صده هذه المرة هجوم مصري كاسح، وتتبع بالقصف المدفعي المركز فلول المهاجمين حتى قرية القسطينة المهجرة. كانت الخسائر البشرية للقوات المهاجمة 74 قتيلاً و81 جريحاً، في حين بلغت خسائر الطرف العربي 24 شهيداً (منهم أربعة من المدنيين الفلسطينيين والباقي جنود مصريون) و32 جريحاً (نصفهم من المدنيين). 

لم تهاجم القوات الإسرائيلية، هجوماً مباشراً، عراق المنشية مرة أخرى، بل تجاوزتها في تقدمها نحو الجنوب لاحتلال بئر السبع وباقي أجزاء النقب. بقيت هذه القرية وقرية الفالوجة صامدتين فيما عرف باسم " جيب الفالوجة حتى تم توقيع اتفاقية الهدنة بين مصر وإسرائيل وانسحاب القوات المصرية من ذلك الجيب وعن ذلك سنتحدث في حلقات قادمة من هذه السلسلة

McNabulsy
 
 

الجنس : ذكر
الدولة :
عدد المساهمات : 1020
نقاط النشاط : 1444
تقييمك : 5
تاريخ التسجيل : 08/06/2015
العمر : 18

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://inkor.ibda3.info/

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

default رد: حلقات من دفاتر النكبة

مُساهمة من طرف McNabulsy في الخميس 17 مارس - 21:39

من دفاتر النكبة (18): 
الرواية التاريخية الصهيونية للنكبة وانعكاسها على تعامل المجتمع الإسرائيلي مع حق العودة
منذ حصول نكبة الشعب الفلسطيني وتأسيس إسرائيل عام 1948، انصبت جهود الرواية التاريخية الرسمية الإسرائيلية في بلورة محوري كتابة أساسيين: أولهما تصوير قيام دولة إسرائيل على أنها " تتويج لحركة انبعاث قومي لشعب أقام دولته المستقلة على أرض يملك معها صلات تاريخية وثيقة ووطيدة"، وثانيهما تقزيم حجم وهول النكبة التي حلت بالشعب الفلسطيني وتصوير نتائج ما حل بهذا الشعب على أنها "نتائج مرافقة لسعي الشعب اليهودي للاستقلال وتجسيده لمبدأ السيادة القومية" ومن خلال ذلك خلق صورة يتم فيها تصوير تهجير الفلسطينيين من قراهم ومدنهم واقتلاعهم من أرضهم على أنه "هروب" أو "إخلاء اختياري" على أفضل الأحوال. 

وعليه، فقد ركزت الرواية التاريخية الرسمية الإسرائيلية على سبع نقاط رئيسية يتمسك بها مصممو الوعي الشعبي الإسرائيليّ، من خلال المناهج التعليمية ووسائل الإعلام، إلى حدّ بعيد. أما هذه النقاط السبع فهي :

1. كان العرب هم المبادرون إلى حرب 1948، وهم الذين رفضوا قرار الأمم المتحدة لتقسيم فلسطين وإقامة دولة يهوديّة إلى جانب دولة عربيّة. ولذا كانت الحرب محاولة يائسة من اليهود للدفاع عن أنفسهم ضد المبادرة الهجومية العربيّة وإزاء الرفض العربي المطلق لوجودهم.

2. العرب الفلسطينيون الذين سكنوا فلسطين مع بداية تطبيق المشروع الصهيوني لا يشكلون شعباً متكاملاً عضوياً، وعليه فهو ليس جديراً بتجسيد مبدأ السيادة الوطنية والقومية على وطنه بل هو مجموعة من الفرق الدينية والإجتماعية الطارئة على فلسطين وهم بحكم ذلك لا يملكون حقوقاً فيها.

3. كانت القوات الإسرائيليّة، في حرب عام 1948، أقل تفوّقًا في العدد والعتاد من الطرف العربي. وعليه تم تصوير الصراع على أنّه كان صراعًا بين "داود الضئيل الماهر " وَ "جولياث العملاق قليل الكفاءة".

4. كان البريطانيون مؤيدين للعرب، الشيء الذي ألقى عبئاً إضافياً على عاتق القوات اليهوديّة. 

5. انتهت الحرب بنصر معجزة تم تحقيقه بفضل التميّز اليهوديّ في القدرات الأخلاقية والقتالية. حيث أرسل الإسرائيليّون للمعركة قوات مذهلة تحت قيادة خارقة ومقاتلين متفوقين في شجاعتهم وصمودهم وحكمتهم.

6. تقع المسؤولية الكاملة حول تكوّن مشكلة اللاجئين على القيادات العربية التي سببت فرار الفلسطينيين من البلاد، وذلك على الرغم من المحاولات الإسرائيليّة التي حاولت منعهم من ذلك وطلبت منهم البقاء في أماكنهم.

7. انتهت الحرب بتفاهمات هشة لوقف إطلاق النار، لا بسلام كامل؛ وذلك لأن العرب امتنعوا عن قبول نتائج الحرب، ورفضوا الاعتراف بالوجود الفعلي للدولة اليهوديّة بينهم.

تشكل النقاط السبع هذه، الأسس الذي نشأت وترعرعت عليه الذاكرة الجماعية الإسرائيلية ولم يكن من السهل، ولن يكون في المدى المرئي، زحزحة هذه الأسس عن مواقعها الشيء الذي قد يجعل قبول الرأي العام بفكرة تجسيد حق العودة للاجئين الفلسطينيين أو أجزاء منه أمراً بعيد التحقق نتيجة لدخول هذه النقاط إلى خانة المسلمات والقناعات في الوعي الشعبي الإسرائيلي العام. وقد كانت الرواية التاريخية هي أداة التصميم الأساسية لها. 

لم يدوِّن المؤرخون الإسرائيليون عملية تأسيس دولتهم والعقد الأول لحياتها بطريقة موحدة. ولكن كانت هناك توجهات سائدة وجهت القراء،بشكل أساسي، لتبني المحورين المذكورين أعلاه وتبني تبعاتهما.

كان الهدف الأساسي لأعمال هؤلاء المؤرخين يسعى للتأثير على تكوين ذاكرة جماعيّة للإسرائيليين تتبنى هذا التوجه وترفده بالمعطيات والصور(1). وقد بقي هذا التوجه سائداً، بشكل شبه مطلق، حتى ظهور بواكير أعمال المجموعة التي حملت اسم "المؤرخون الجدد " في الثمانينيّات من القرن الماضي، حيث حاولوا، دون نجاح كبير، أن يتحدّوا من خلال تلك الكتابات الرواية الإسرائيليّة السائدة(2). 

علينا أن نوضّح هنا أنّ معظم أعضاء مجموعة المؤرخين الجدد (باستثناء إيلان بابه وآفي شلايم)، بالرغم من نقدهم الواضح لممارسات الحركة الصهيونية عام 1948، لا يتَحدّون المشروع الصهيونيّ بذاته، وإنّما هم يعترضون فقط على بعض الميزات الثقافيّة والأخلاقيّة التي أصابته أثناء تلك الفترة وبعدها. ولم يبدأ الجدل حول ما اصطلح على تسميته " كتابة التاريخ الجديد" في إشغال حيّز على الصعيد الفكري والثقافي الإسرائيلي إلا في أواخر الثمانينيّات وبداية التسعينيات من القرن الماضي، حيث بدا أكثر حدة في النصف الثاني التسعينيّات ليعود ويتراجع مع اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية، وعدول أحد أبرز أعضاء هذه المجموعة (بيني موريس ) عن آرائه السابقة. 

وكان قد وقف ثلاثة مؤرّخين في طليعة موجة محاولة الصياغة الجديدة لتاريخ عام 1948 : بيني موريس؛ إيلان بابيه؛ آفي شلايم. علماً بأن دراساتهم وأبحاثهم الجدية، لم تلفت أنظار إلا مجموعة قليلة العدد من القراء ولم تفلح بزحزحة الجزء الأكبر من الوعي الجماعي الإسرائيلي عن مواقفه المتبنية بشكل تام للرواية الرسمية المتأصلة في الوعي الشعبي والراسخة في المناهج التعليمية ووسائل الإعلام.

وعليه، يمكننا الافتراض أن شرائح واسعة من الجمهور اليهودي في إسرائيل تؤمن، إلى حد بعيد، بالرواية الرسمية المهيمنة بالنسبة لما جرى عام 1948، والتي تبرز فيها صورة "داود الصغير" (اليهود) الذي سدد ضربة قاصمة إلى "جوليات العملاق" (العرب)، أو صورة أخرى داعمة مفادها أن "بريطانيا" لم تكن تنوي إخلاء فلسطين، بل سعت بكل ما أوتيت من قوة لإفشال محاولات اليهود إقامة دولة يهوديّة مستقلة في فلسطين. 

ومن هذا الافتراض يمكننا أن نفهم أيضاً الغضب الواسع الانتشار الذي تم إطلاقه ضد محاولات كتابة "الرواية التاريخية الجديدة" وضد كتابها، وذلك لأنهم حاولوا أن يضربوا بالصميم عمق هذه الاقتناعات التي يؤمن بها معظم الإسرائيليين والتي شكلت الطريق الذي سلكوه لرؤية أنفسهم ورؤية الآخرين من شعوب العالم. بل أكثر من ذلك يمكن القول إنهم يروون فيها مؤشراً لتقدير مصيرهم في الحاضر ومقدراتهم في المستقبل، كما أنها تكوّن أحد المعايير الأساسية للمسلك الذي يتبعونه لفهم هويتهم الجماعية. 

يرى البعض أن استمرار هيمنة هذه النظرية كل هذه السنوات يعود إلى العداء الدائم والكراهية المستمرة تجاه العرب، تلك المشاعر التي بدأت تترسخ في مجتمع "الييشوف" قبل حرب 1948 بكثير، ومع استمرار حالة الصراع والحرب مع الفلسطينيين والعرب فإن أمر تغيير الأطروحة الإسرائيلية الرسمية عما جرى عام 1948 يعتبر أمراً صعب الإدراك لمعظم الإسرائيليّين.

وعليه يمكن الافتراض أن تلك الحرب وحرمان الفلسطينيّين من أراضيهم ساهما في تعزيز هذا العداء، ولكنهما لم يكونا السبب في خلقه. إذ أنه يصعب على الإسرائيليّين أن يصدقوا، حتى الآن، أن العرب كانوا على استعداد لقبول تأسيس دولة يهوديّة في فلسطين. وأنهم على استعداد لقبول كيان يهودي سياسي طويل الأمد في المنطقة. 

كما ويعزو بعض الباحثين ذلك إلى كيفية فهم معظم الإسرائيليين للمحاولات الفلسطينيّة المستمرة والعنيفة لعرقلة المشروع الصهيونيّ في الأعوام: 1920؛ 1921؛ 1929 وخاصة في ثورتهم الكبرى خلال الأعوام 1936- 1939. إذ أن التجارب الشخصية للعديد من الإسرائيليّين أثناء حرب 1948 عززت إيمانهم بأنه لا مفر من سرد الرواية التاريخية الشاملة(كما يرونها هم) على أنها رد دفاعيّ يهوديّ على رفض العرب التام للطموح اليهوديّ للاستقلال.

صورة الفلسطيني ومساهمتها في بلورة مواقف الرأي العام: ساهمت معارضة الفلسطينيّين العرب المستمرة، والعنيفة أحيانًا، للمشروع الصهيوني في رسم الملامح أو السمات للعربي الفلسطيني في الإدراك الجماعي للمجتمع اليهودي عن طريق دعم تصوير "الآخر" على أنه عدائيّ وشرّير ومتخلف وبدائي.

هذا مع العلم أنه حتى العام 1948، حافظ بعض يهود فلسطين على علاقات عادية، وودّية في بعض الأحيان، مع العرب وكثيرًا ما حاولوا تبرئة "بسطاء الناس" الفلسطينيّين من تهمة العنف والكراهية واضعين كامل المسؤوليّة أو اللوم على عاتق" أبناء الذوات والأفندية" من العائلات المدينية العربيّة الذين،على حد قولهم، "استغلّوا عامّة الشعب الفلسطينيّ وحرّضوهم ضد اليهود لكي يلهوهم عن مأزقهم الخاص". أو على الحكومة البريطانية التي تبنت، وفق هذا الرأي، سياسة "فرّق تسُد" التي حاولت أن تمنع أي إمكانية للتفاهم بين العرب واليهود. 

ولكن الحرب التدميرية عام 1948 ألغت السواد الأعظم من هذه التبريرات. إذ لم يعد بالإمكان الاستمرار في فصل الفئات الشعبية الفلسطينيّة عن قيادة حركتها الوطنية بذلك الشكل الساذج والمكشوف.

McNabulsy
 
 

الجنس : ذكر
الدولة :
عدد المساهمات : 1020
نقاط النشاط : 1444
تقييمك : 5
تاريخ التسجيل : 08/06/2015
العمر : 18

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://inkor.ibda3.info/

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

default رد: حلقات من دفاتر النكبة

مُساهمة من طرف McNabulsy في الخميس 17 مارس - 21:40

من دفاتر النكبة (19): 
جيش الإنقاذ بين الواقع والأسطورة../ د.مصطفى كبها 
"جيش الإنقاذ" هو اسم أطلق على وحدات المتطوعين من البلاد العربية الذين قررت اللجنة العسكرية للجامعة العربية أن تبعثها إلى فلسطين على إثر اتخاذ الهيئة العامة لقرار تقسيم فلسطين في التاسع والعشرين من تشرين الثاني 1947. وقد أطلق على هذه الوحدات في البداية " جيش التحرير " ومن ثم غير الاسم إلى "جيش الإنقاذ".

قيل وكتب الكثير عن هذا الجيش، ويجرى في هذه الأقوال والكتابات خلط كثير بين الدور الذي لعبه وبين الجيوش العربية الأخرى التي دخلت فلسطين أثناء حرب ونكبة عام 1948. 

عندما تقرر تأسيس هذا الجيش جرت في دهاليز الجامعة العربية ومؤسساتها مشاورات ومشادات حول قادة هذا الجيش وعدده وعدته. وكي نكون منصفين للحقيقة نقول إنه من الظلم بمكان أن نطلق صفة "جيش" على بضعة آلاف من المتطوعين ( 3830 متطوعاً مسجلاً في وثائق الجامعة العربية ) لم يحسن اختيارهم وتهيئتهم للمهام الجسام التي بعثوا من أجلها.

وقد كان الحماس الشديد، في بداية الأمر، هو أهم ما ميز هذه الوحدات، ولكن هذا الحماس سرعان ما خفت مع اصطدام أحلام هؤلاء المتطوعين بأرضية الواقع المرير الذي واجههم فور عبورهم نهر الأردن غرباً نحو فلسطين. فمن صعوبات لوجستية هائلة (نقصان كبير في الذخيرة والتموين ) إلى تعليمات ضبابية وفضفاضة وظروف قتال لم يحضر لها المتطوعون البتة. قادت كل هذه الصعوبات إلى هبوط حاد في المعنويات وإلى عصبية في السلوك والتصرف بحيث كان أول المعانين من ذلك المواطنون الفلسطينيون الذين فرض عليهم، بإمكانياتهم الضئيلة والشحيحة، سد ما نقص على هذا الجيش من مؤن ومعدات لوجستية أخرى ( هناك شهادات عديدة جمعناها من قرى كثيرة أقام فيها جيش الإنقاذ تحدثت عن إجبار السكان على تحضير الطعام وتزويد المتطوعين بفراش النوم وغير ذلك من المهام التي أثقلت كاهل الأهلين). 

بالنسبة لقادة الجيش فقد تقرر بعد أخذ ورد تعيين فوزي القاوقجي ( من مواليد طرابلس –لبنان ) قائداً أعلى لوحدات جيش الإنقاذ، وذلك نظراً لسجله العسكري الحافل، حيث كان ضابطاً ممتازاً وحاصلاً على العديد من الأوسمة في الجيش العثماني، شارك في الثورات السورية في الأعوام 1920 و 1925، شارك في الثورة الفلسطينية 1936 -1939 وفي ثورة رشيد عالي الكيلاني في العراق عام 1941، ونظراً لميوله القومية العروبية الوحدوية، والأهم من ذلك كله قربه الشديد من الملك عبد الله (الأول ) بن الحسين ملك الأردن في حينه. 

عارض الحاج أمين الحسيني (الزعيم الفلسطيني الأبرز آنذاك) هذا التعيين بشدة وذلك لرواسب العلاقات الماضية التي كانت له مع القاوقجي (فشل الأخير في قيادة وحدات المتطوعين العرب في ثورة 1936 -1939 في فلسطين وكذلك الخلافات التي كانت بينهما أثناء ثورة رشيد عالي الكيلاني في العراق عام 1941). حاول المفتي، عبثاً، إقناع أعضاء اللجنة العسكرية للجامعة العربية بأن يتولى القائد الفلسطيني عبد القادر الحسيني قيادة المتطوعين على أن تتمحور المساعدات العربية بالذخيرة والعتاد، ولكن مطالبه هذه وقعت على آذان صماء، عندها أعلن المفتي عن إنشاء وحدات فلسطينية مستقلة بقيادة عبد القادر الحسيني وقدامى قادة فصائل ثورة 1936 -1939 وقد أطلق على هذه الوحدات اسم "جيش الجهاد المقدس". 

تكون جيش الإنقاذ من ثمانية أفواج سميت بأسماء من الفترة الإسلامية الأولى أو بأسماء مواقع جغرافية فلسطينية ذات دلالة تاريخية أو أسماء دلت على البلاد التي قدم منها المتطوعون وقد كانت كالتالي:

1. فوج اليرموك الأول وتكون من ثلاث سرايا وقد بلغ عدد جنودها 500 متطوع. 
2. فوج اليرموك الثاني وتكون هو الآخر من ثلاث سرايا وبلغ عدد أفرادها 430 مقاتلاً. 
3. فوج اليرموك الثالث وتكون من سريتين وبلغ عدد مقاتليها 250. 
4. فوج حطين وقد تكون من ثلاث سرايا وبلغ عدد أفرادها 500 مقاتل. 
5. فوج الحسين (الفوج العراقي وتكون من ثلاث سرايا وبلغ عدد أفراده 500. 
6. فوج جبل الدروز وتكون من ثلاث سرايا بلغ عدد أفرادها 500. 
7. فوج القادسية وتكون من ثلاث سرايا بلغ عدد أفرادها 450. 

هذا إضافة لأربع سرايا منفصلة لم تكن تابعة لأحد من الأفواج أعلاه والتي بلغ عدد أفرادها 450 مقاتلاً على وجه التقريب. 

أقام فوزي القاوقجي مقر قيادته في قرية جبع (قضاء جنين) وذلك كما فعل في قدومه الأول إلى فلسطين أثناء ثورة 1936 -1939. 

دخلت الأفواج المختلفة الأراضي الفلسطينية الواحد تلو الآخر وذلك بعد فترة تحضير وتدريب قصيرة في مواقع تدريب أقيمت خصيصاً لهذا الغرض كان أشهرها وأهمها موقع قطنة في سورية. 

كان فوج اليرموك الثاني بقيادة أديب الشيشكلي ( رئيس سورية فيم بعد في الفترة الواقعة بين 1949 -1955 ) أول الأفواج الداخلة، وقد دخل من الحدود اللبنانية في التاسع من كانون الأول 1947 واستقر في بداية الأمر في منطقة عكا، وبعدها بدأ بتوزيع مناطق سيطرته لتشمل جميع مناطق الجليل الغربي ومنطقتي صفد والناصرة. 

بعد ذلك جاء فوج اليرموك الأول بقيادة محمد صفا (سوري ) ودخل فلسطين من الأراضي الأردنية في الثاني والعشرين من كانون الثاني 1948 وتمركز في منطقتي بيسان وجنين. 

في الفاتح من شباط 1948 دخل فوج القادسية بقيادة مهدي صالح العاني (عراقي ) الذي كان في البداية فوجاً احتياطياً تمركز بالقرب من القيادة العامة في جبع، وبعدها بعث ليتمركز في المنطقة الواقعة بين رام الله وباب الواد. 

في الأول من آذار 1948 دخل الأراضي الفلسطينية فوجان من جيش الإنقاذ: الأول كان فوج حطين بقيادة مدلول عباس (عراقي) وتمركز في قضاء طولكرم، أما الثاني فكان فوج الحسين بقيادة عادل نجم الدين (عراقي) وكان مركزه داخل مدينة يافا. في الخامس عشر من أيار تم تعيين الضابط الفلسطيني ميشيل العيسى قائداً لهذا الفوج بدلاً من عادل نجم الدين. وقد استمر العيسى في منصبه هذا حتى سقوط مدينة يافا في الثاني عشر من أيار 1948. 

وضعت باقي أفواج جيش الإنقاذ في موقع الاحتياط وتمت الاستعانة ببعضها، بشكل محدود للغاية، حتى دخول الجيوش العربية النظامية فلسطين في الخامس عشر من أيار 1948. 

من ناحية الأداء في الميدان، عانى هذا الجيش من مستوى معنوي منخفض، وذلك بعد الاحتكاكات الأولى التي جرت مع القوات اليهودية الشيء الذي أدى إلى انتشار ظاهرة الفرار من الخدمة لدى أفراده. بالإضافة لذلك، كانت هناك صعوبات جمة في كل ما يتعلق بالانضباط، وهذا بطبيعة الحال أمر ناتج عن اختلاف المشارب وقلة التدريب وسوء التهيئة. فالمتأمل لوثائق هذا الجيش (التي سقط جزء منها غنائم في أيدي القوات اليهودية بعد معركتي مشمار هعيمق والزرّاعة ) يرى بشكل واضح قلة النظام والعفوية التي ميزت أساليب عمل وحدات هذا الجيش. فقد كتب أحد جنود فوج اليرموك الأول في يومياته قائلاً: " في يوم الجمعة الموافق الأول من كانون الثاني 1948 تطوعت في فوج اليرموك الأول ضمن سرية الدير (دير الزور، م. ك) وذلك للاشتراك بالدفاع عن الأراضي المقدسة وعن الوطن العربي العزيز. خرجنا من دير الزور إلى حماة ومن هناك إلى قطنة وفيها مكثنا ثلاثة أيام حتى أخذنا الأوامر بالتوجه إلى فلسطين. خرجنا من قطنة في تاريخ 1948. 1. 7، كان اليوم يوم خميس. من قطنة اتجهنا لعمان ومن هناك باتجاه المناطق الفلسطينية. عندما اجتزنا الحدود الأردنية رافقتنا وحدة من الجيش الأردني حتى عبورنا النهر. في الساعة الواحدة بعد منتصف الليل كانت لنا استراحة قصيرة قدم لنا فيها التمر. خلال أكلنا للتمر فوجئنا بتعليمات جديدة تطالبنا بالاستعداد للمسير. أحد زملائنا واسمه حران بقي نائماً حيث كنا، أما زيدان "شيخ الشباب " فقد نسي بندقيته لأنه كان مشغولاً أكثر بتناول التمر". 

إن المتأمل لوصف هذا الجندي ولأمور أخرى ذكرها ويضيق المكان عن ذكرها هنا، يؤكد الصورة التي حاولنا رسمها لأداء جيش الإنقاذ أعلاه، تلك الصورة التي تجعل من عملية نجاح هذا الجيش بالمهمات التي أنيطت به أمراً أقرب للمستحيل. مع ذلك دخل هذا الجيش فلسطين وحاول قادته تنفيذ ما أوكلوا به. وعن مدى نجاحهم في ذلك سنتحدث في الحلقة القادمة بمشيئة الله.

McNabulsy
 
 

الجنس : ذكر
الدولة :
عدد المساهمات : 1020
نقاط النشاط : 1444
تقييمك : 5
تاريخ التسجيل : 08/06/2015
العمر : 18

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://inkor.ibda3.info/

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

default رد: حلقات من دفاتر النكبة

مُساهمة من طرف McNabulsy في الخميس 17 مارس - 21:40

من دفاتر النكبة (20)
جيش الانقاذ بين الواقع والأسطورة (2)../ د. مصطفى كبها 
في الحلقة السابقة تطرقنا للظروف التي أنشئ فيها جيش الإنقاذ وإلى تركيبته البشرية والتنظيمية. وفي هذه الحلقة سنتطرق لوقائع ومعوقات نشاط هذا الجيش في الميدان، منذ قدوم طلائع وحداته إلى فلسطين في نهاية كانون الأول 1947 وحتى تقهقر ما تبقى ما تبقى من وحداته في منطقة الجليل في نهاية تشرين الأول 1948. 

عانى هذا الجيش، من الناحية اللوجستية الكثير من النقص في المواد التموينية والذخيرة، ومن العيوب الجمة وعدم صلاحية المواد التي استلمها فيس هذا المضمار. فالمتمعن في وثائق هذا الجيش بوسعه أن يرى شكاية دائمة قدمت من الجنود والضباط إلى قادة الأفواج وأعضاء اللجنة العسكرية للجامعة العربية، بحيث تضمنت هذه الشكاوى تذمراً من النقص في المواد الغذائية والذخيرة أو فساد المواد القتالية وعدم صلاحياتها للاستعمال. 

بالنسبة لنقص المواد الغذائية، قام الضباط بالضغط على الأهالي بغية تزويدهم بالطعام والفراش والأغطية، الأمر الذي أدى بدوره إلى احتكاكات مع الأهالي وذلك لشح الموارد وعدم قدرة الأهالي على تحمل أعباء النهوض باحتياجات الجنود لا سيما وأنهم استطاعوا بالكاد توفير حاجات منازلهم وعائلاتهم.

أفقدت هذه الاحتكاكات جيش الإنقاذ تعاطف الأهالي وترحيبهم به. أما فيما يتعلق بالذخيرة فقد كان واضحاً بأنه لم يكن باستطاعة الأهالي تزويد الجيش بها، ومن هنا انصبت الشكاوى جميعاً في رسائل شبه يومية كانت موجهة إلى أعضاء اللجنة العسكرية التي وقف على رأسها اللواء إسماعيل صفوت (عراقي ) أو المفتش العام لجيش الإنقاذ العميد طه الهاشمي (وهو عراقي أيضا). 

عرضت هذه الرسائل صورة قاتمة عن الوضع في المناطق التي عمل فيها جيش الإنقاذ، فقد جاء على سبيل المثال في رسالة بعثها قائد حامية بيسان من قبل جيش الإنقاذ إلى الجنة العسكرية: "منذ يوم التاسع عشر من شباط 1948، حيث استلمت الذخيرة المخصصة للدفاع عن مدينة بيسان، قمت بتعيين 40 شخصاً في مواقع مختلفة في المدينة ولكني لم أجد أكثر من خمسين مشطاً من الذخيرة، هذا بالإضافة إلى أنني لم أجد فتائل إشعال للديناميت، هذا فضلاً عن أن نسبة عالية من الذخيرة كانت عديمة الصلاحية، فالعديد من الجنود لم يفلحوا بإطلاق طلقة واحدة من بنادقهم". 

في حالات أخرى كان هناك نقص شديد بموارد الطاقة وخاصة البنزين، فعلى سبيل المثال بعث قائد سرية في فوج اليرموك الأول برسالة إلى قائد الفوج جاء فيها: "لقد نفذ البنزين لدينا بشكل كامل، منذ ثلاثة أيام لا يوجد لدينا حتى لتر واحد من البنزين". 

مع ازدياد حدة هذه الصعوبات وازدياد تذمر الجنود، بدأت تطفو على السطح مظاهر خرق الانضباط وحتى العصيان والهروب من المعسكرات والمواقع. 

قصص كثيرة و"مثيرة " في هذا المجال يمكن أن نجدها في يوميات الضابط الأردني محمد أبو صوفة الذي كان قائداً لسرية "الصاعقة" في فوج اليرموك الأول. وفور توليه دفة قيادة هذه السرية حاول الضابط أبو صوفة التعامل مع مخالفات الجنود بشيء من التسامح ولم تتعد درجة العقاب التي فرضها على الجنود إلغاء وجبة من الوجبات اليومية المخصصة للجنود أو إضافة ساعات حراسة على حصة الجندي المخالف وما إلى ذلك من أوجه العقاب الخفيفة، ولكن ومع تزايد عدد هذه المخالفات وحين أصبحت "تياراً جارفاً"، كما وصفها أبو صوفة في يومياته، قام بجمع جميع أفراد السرية ووقف فيهم خطيباً حيث قال: "حاول بعض الجنود الهروب، وهؤلاء سيعاقبون بالسجن والفلقة (الجلد بالسوط على أسفل القدم، م.ك). كل جندي سيحاول الهروب من الآن فصاعداً سيجلد ويسجن قبل أن يعدم بالرصاص لأن كل من يفعل ذلك هو بمثابة خائن ومتعاون مع اليهود". 

لكن تهديد أبي صوفة هذا لم يكن، كما يبدو، مؤثراً بما فيه الكفاية لأن محاولات الهروب استمرت، واستمر معها تناقص عدد أفراد السرية، وذلك حسب ما جاء في رسالة بعثها أبو صوفة إلى قائد الفوج مشفوعة بقرار الاستقالة الذي رفضه القائد مجبراً أبا صوفة في وظيفته مكرهاً ومحبطاً. 

على الصعيد الميداني، لوحظ منذ بداية المبادرات العسكرية التي قام بها جيش الإنقاذ أنه يحاول السيطرة والتمركز في المساحات المخصصة للدولة العربية حسب قرار التقسيم ولم يحاول، ولو لمرة واحدة، أن يشذ عن ذلك. 

هذا الأمر يمكنه أن يفسر عدم محاولة البريطانيين (الذين كانوا من الناحية العملية المسؤولين الأمنيين عن كافة مساحة فلسطين الانتدابية حتى تاريخ 1948. 5. 15 ) منع جيش الانقاذ من تنفيذ مهامه بل إن المتمعن في وثائق جيش الإنقاذ والوثائق البريطانية من تلك الفترة بأنه كان هناك شيء من التنسيق الأمني الصامت بين الطرفين، وكما يبدو فإن ثمن هذا التنسيق كان عدم دخول الأراضي المخصصة للدولة اليهودية. 

على الأرض، تمركزت أفواج هذا الجيش في منطقتين أساسيتين: الأولى كانت منطقة المثلث الكبير ( جنين – نابلس – طولكرم ) والتي ضمت إليها من الجنوب منطقة لواء اللد ( التي ضمت قضائي يافا والرملة )، ومن الشمال منطقة الكرمل والروحة ومرج ابن عامر، بحيث كانت كافة هذه المناطق تحت القيادة المباشرة للقائد العام فوزي القاوقجي. أما المنطقة الثانية فكانت في الشمال حيث ضمت مناطق الجليل الأعلى والجليل الأسفل ومنطقة الساحل الممتدة من عكا حتى الحدود اللبنانية، وقد قاد هذه المنطقة العقيد أديب الشيشكلي. وقد بقي هذا التقسيم قائماً حتى دخول الجيوش النظامية العربية في الخامس عشر من أيار 1948. ولكن جيش الإنقاذ، وقبل مجيء هذه الجيوش، خاض جملة من المعارك وعن تفاصيلها سنتحدث في الحلقة القادمة

McNabulsy
 
 

الجنس : ذكر
الدولة :
عدد المساهمات : 1020
نقاط النشاط : 1444
تقييمك : 5
تاريخ التسجيل : 08/06/2015
العمر : 18

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://inkor.ibda3.info/

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

default رد: حلقات من دفاتر النكبة

مُساهمة من طرف McNabulsy في الخميس 17 مارس - 21:41

من دفاتر النكبة (21): 
جيش الإنقاذ بين الواقع والأسطورة (3)../=
تطرقنا في الحلقتين السابقتين إلى الإطار التاريخي الذي عملت فيه أفواج جيش الإنقاذ التي عملت في فلسطين، ورصدنا القيود والقسريات العديدة التي عمل فيها هذا الجيش. وفي هذه الحلقة سنتطرق إلى أهم المعارك التي خاضها. 

تمحورت خطة العمل الميدانية لجيش الإنقاذ منذ البداية حول هجمات تكتيكية ضد مستوطنات ومواقع يهودية محصنة أو واقعة على مفارق الطرق الرئيسية وضمن هذه الخطة يمكن أن تقع المعارك التالية: 

1. معركة قلعة جدين (يحيعام ): تقع قلعة جدين (وهي قلعة تاريخية قديمة) في منطقة الجليل الأعلى، وهي منطقة مشرفة وحصينة تقع في منطقة وعرة يصعب الوصول إليها. وأقرب القرى العربية إليها هي قرى معليا وترشيحا.

حصل الهجوم على هذه المستوطنة في الليلة الواقعة بين 22-23 كانون الثاني 1948، وقد شارك فيه سرية من فوج اليرموك الثاني وبعض رجال جيش الجهاد المقدس بقيادة خليل محمد عيسى (أبو إبراهيم الكبير) أحد أهم رجال المفتي في الجليل وقائد منطقة الجليل الأعلى في فترة ثورة 1936 -1939. 

بلغ عدد المهاجمين قرابة 120 مقاتلاً كانوا مسلحين بالبنادق والقنابل اليدوية وبعض المدافع الرشاشة. كان في القلعة حامية يهودية لم يزد عدد أفرادها عن الثلاثين. 

هاجم جنود أبي إبراهيم القلعة بالبنادق الرشاشة والقنابل اليدوية ولكنهم لم يستطيعوا اقتحامها بسبب التحصينات القوية وحسن تسليح حاميتها. وعندما لم يفلح المهاجمون بالاقتحام ضربوا على القلعة حصاراً من جميع الاتجاهات بقصد إجبار الحامية على التسليم ولكن ذلك لم يحصل بسبب وصول الإمدادات للحامية من الجو بحيث جرى إسقاطها داخل القلعة، وقد استهلك المهاجمون معظم ما كان لديهم من ذخيرة ومؤن الشيء الذي أجبرهم في النهاية على إخلاء مواقعهم وفك الحصار عن القلعة لا سيما أنهم خسروا قرابة العشرين شهيداً في محاولات الاقتحام الفاشلة للموقع. 

ومن الجدير ذكره هنا أن القوات اليهودية الواقعة في نهريا حاولت تمرير قافلة تموين وذخيرة إلى مستوطنة يحيعام المعزولة في منتصف آذار 1948، ولكن هذه القافلة أوقفت في قرية الكابري العربية وأبيد معظم من كان فيها. وقد تحدثنا عن ذلك في حلقة سابقة من هذه السلسلة تحت عنوان "معركة الكابري".

2. معركة الزراعة (طيرات تسفي): الزراعة قرية فلسطينية من قضاء بيسان الانتدابي، وهي تنتمي لمجموعة القرى الفلسطينية التي كانت قد هجرت قبل عام 1948. وقد أقيمت على أراضيها مستعمرة طيرات تسفي. 

كان قائد الهجوم على هذه المستوطنة الضابط السوري محمد صفا، قائد فوج اليرموك الأول، وقد وقف على رأس فرقة من المشاة بلغ تعدادها قرابة الـ400 مقاتل. حصل الهجوم في الليلة الواقعة بين السادس عشر والسابع عشر من شباط 1948. كان توقيت الهجوم بائساً ومفتاحاً للفشل، حيث كانت تلك الليلة ليلة شديدة الأمطار وقد غاص المهاجمون المشاة في الأوحال المحيطة بالمستوطنة التي أحاطتها خطوط الدفاع القوية والأسلاك الشائكة من كافة الجوانب. وبإمكان المتأمل لهذا التوقيت وتلك الظروف أن يتوقع مصير بضع مئات من المهاجمين المشاة يحاولون اقتحام حصون وقلاع وهم غائصون في الأوحال وفي الحصون قناصة مهرة جنبتهم حصونهم معاناة الأمطار الهاطلة والأرض الموحلة. 

سقط في الهجوم قرابة 70 شهيداً ومثلهم عدد الجرحى. كان من بينهم بعض المتطوعين اليمنيين الذي أبلوا في المعركة بلاء حسناً، واستطاعوا الوصول إلى بعض التحصينات واقتحامها رغم قسريات الظروف واستحالة التقدم. وقد تعرض قائد الهجوم، المقدم محمود صفا، إلى الهجوم الشديد من الصحافة العربية في ذلك الوقت متهمة إياه بالتقصير وسوء الإدارة والتخطيط، ولكن ذلك النقد لم يجعل القيادة العليا تحرك بشأنه ساكناً. 

كان للفشل في هذه المعركة التأثير المدمر على معنويات فوج اليرموك الأول ولم يقوموا بعدها بأي عمل عسكري مؤثر سوى بعض الحركات الاستعراضية التي تضمنت إقامة الحواجز على الطرق ومهاجمة بعض المركبات اليهودية السائرة عليها. 

3. معركة مشمار هعيمق: كنا قد تطرقنا في حلقة سابقة من هذه السلسلة لهذه المعركة، وعليه لن نطيل التفصيل بصددها ويكفي أن نذكر بأنها خططت وأديرت، هذه المرة، من قبل القائد العام للجيش فوزي القاوقجي.

وقد كان لفشل هذه المعركة، في المحصلة النهائية، الأثر الكبير في تدن المعنويات لدى جنود جيش الإنقاذ وبالأساس لدى المدافعين عن القرى الفلسطينية في مناطق الروحة ووادي عارة ومرج ابن عامر. فقد سقطت أثناء الهجوم المضاد الذي قامت به القوات اليهودية بين الثاني عشر والرابع عشر من نيسان 1948 على إثر تراجع قوات جيش الإنقاذ عن محيط مستوطنة مشمار هعيمق في التاسع والعاشر من الشهر ذاته كل من قرى الغبيات وقيري وأبو زريق وأبو شوشة والنغنغية والكفرين ودالية الروحة والريحانية من منطقة شمال - شرق الروحة، واختلت خطوط الدفاع في قرى السنديانة وبريكة وصبارين وخبيزة وأم الشوف في منطقة وسط وغربي الروحة إلى أن سقطت نهائياً في الثاني عشر من أيار من العام ذاته.

وقد شكل سقوط هذه القرى ضغطاً شديداً على قرى وادي عارة التي هاجمتها القوات اليهودية مراراً، وفشلت في احتلالها ككفر قرع التي هجر أهلها لمدة أحد عشر شهراً على اثر معركة دامية حصلت في الثامن من أيار 1948، ومعاوية التي هدمت بشكل شبه كامل، وكذلك قرى مصمص ومشيرفة التي تعرضت الكثير من منازلها للهدم جراء القصف وأعمال التفجير التي قامت بها جماعات "البالماح" اليهودية المسلحة. 

وهكذا كانت نتائج المعارك الثلاث الكبيرة التي خاضها جيش الإنقاذ قبيل حضور القوات العربية إلى فلسطين فاشلة على الأغلب ومثبطة للعزائم والمعنويات. أما عن المعارك التي خاضها هذا الجيش بعد قدوم الجيوش النظامية، في منطقة الجليل تحديداً، وخاصة معركة هوشة والكساير فسنتحدث في الحلقة القادمة بمشيئة الله.

McNabulsy
 
 

الجنس : ذكر
الدولة :
عدد المساهمات : 1020
نقاط النشاط : 1444
تقييمك : 5
تاريخ التسجيل : 08/06/2015
العمر : 18

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://inkor.ibda3.info/

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

default رد: حلقات من دفاتر النكبة

مُساهمة من طرف McNabulsy في الخميس 17 مارس - 21:42

من دفاتر النكبة (22): 
جيش الإنقاذ بين الواقع والأسطورة (4)../ د. مصطفى كبها 
كنا قد تطرقنا في الحلقة السابقة لبعض المعارك التي خاضها جيش الإنقاذ قبل وصول الجيوش النظامية العربية إلى فلسطين في منتصف أيار من العام 1948. وفي هذه الحلقة سنتطرق إلى إحدى أهم المعارك التي خاضها جيش الإنقاذ قبيل الإعلان عن قيام دولة إسرائيل وهي معركة "هوشة والكساير" الواقعتين في الظاهر الغربي لمدينة شفاعمرو، والتي دارت رحاها في الفترة الواقعة بين الثاني عشر السادس من نيسان 1948.

كانت هذه المعركة، وما زالت، مثاراً للجدل وذلك لدخول اعتبارات كثيرة منها تتعلق بالتركيبة المذهبية لمقاتلي فوج جبل الدروز الذين شاركوا في القتال من جهة، ومنها يعود إلى العلاقة المركبة بين جنود جيش الإنقاذ بشكل عام وبين المواطنين الفلسطينيين أو مقاتلي جيش الجهاد المقدس التابع للهيئة العربية العليا من جهة أخرى. 

بعد فشل القاوقجي، القائد العام لجيش الإنقاذ، في هجومه على "مشمار هعيمق" ورغبة منه في تخفيف الضغط على قواته في منطقتي وادي عارة وجنين، طلب من شكيب وهّاب، قائد فوج جبل الدروز المتمركز في منطقة شفاعمرو، أن يبادر إلى الضغط على المستوطنات اليهودية وخطوط إمدادها في المنطقة الواقعة بين شفاعمرو وحيفا. 

ورد في الكتاب الذي يؤرخ للمعارك التي خاضها لواء "كرميلي" التابع لقوات "الهاجاناه" أن شكيب وهّاب منذ مجيئه لتلك المنطقة كان قد وطّد العزم على عدم مهاجمة المستوطنات اليهودية في المنطقة وذلك بناء على جملة من التفاهمات التي كان قد توصل إليها مع بعض الزعماء الدروز من جبل الكرمل والذين كانت تربطهم علاقات مع جهاز الشاي ( الجهاز الاستخباري التابع لمنظمة الهاجاناه والوكالة اليهودية ). 

هذه التفاهمات، حتى لو صح حدوثها، لم تصمد على محك الاختبار بحيث قامت سرايا تابعة للفوج الدرزي، ونزولاً عند رغبة القائد العام لجيش الإنقاذ، بمهاجمة مستوطنة "رمات يوحنان" وكيبوتس "هيوتسريم" منذ مساء يوم الثاني عشر من نيسان.

اعتمد الهجوم في البداية على أعمال القنص وزخّات من رصاص البنادق والمدافع الرشاشة وذلك رغبة من المهاجمين بامتحان ردود الفعل والقدرات الدفاعية للحاميات اليهودية المرابطة هناك. وجه قائد الحامية من لواء كرميلي للمدافعين اليهود أوامر بضبط النفس وعدم الرد على النيران إلا بشكل محدود ومقتضب، وذلك كما يبدو لإيهام القوات العربية بضعف خطوط الدفاع وقوة نار المدافعين. 

في يوم الثالث عشر من نيسان قامت سريتان من جيش الإنقاذ بمهاجمة منشأة تابعة لشركة "مقوروت" للمياه كانت تتحصن فيها سرية تابعة للواء "كرميلي" ومجموعة من عمال الشركة وذلك قبالة قرية الكساير ومحاصرتها بشكل كامل.

في الموجة الأولى للهجوم أصيب بعض أفراد السرية اليهودية الشيء الذي أوجب قيادة "كرميلي"، وبشكل عاجل، محاولة تمرير نجدات من المعدات والسلاح إلى جنود السرية المحاصرة. وعما جرى لتلك النجدات جاء فيما كتبه الضابط ش. كمينكار: "مباشرة بعدما تجاوز مقاتلو السرية الجدار الآمن تعرضوا لوابل من الرصاص. طلب يعقوب (القائد المحلي، م.ك ) من جدعون (قائد النجدات، م.ك ) أن لا يتم الوصول إلى منشأة المياه بشكل مباشر، وذلك لأن العدو الموجود بالقرب من تلك المنطقة سيبدأ بـ"حصدهم " الواحد تلو الآخر. وافق جدعون على تقديرات يعقوب هذه، ولكنه قال مع ذلك إنه تلقى تعليمات من جهات عليا وإن عليه تنفيذ ذلك بكل ثمن. نشب جدال شديد بين القائدين وذلك عندما رفض جدعون العودة إلى قاعدته دون تنفيذ التعليمات التي تلقاها حتى لو دفع حياته ثمناً لذلك. طلب جدعون من رجاله أن يركضوا بسرعة، وأن يعبروا حقل النار البالغ 150 متراً بالسرعة القصوى. كان هو البادئ بالانطلاق وكان رفاقه وراءه. فتحت نار شديدة على الفور، الأوائل نجحوا بالمرور في حين أصيب من جاء بعدهم ورجع الباقون". 

كانت حصيلة محاولة المرور الفاشلة هذه قتيلين والعديد من الجرحى، ولم تنجح القوات اليهودية بإخراجهم إلا تحت جنح الظلام. وقد استغلت تلك القوات الظلام كذلك لإخراج النساء والأطفال من "رمات يوحنان" وكيبوتس "هيوتسريم" ونقلهم إلى "قريات بيالك". 

في اليوم الثالث للمعارك قامت القوات اليهودية بهجوم مضاد انطلق من مستوطنة "كفار آتا"، واستهدف التلال التي حولها والتي سيطر عليها قناصو جيش الإنقاذ. شاركت في هذا الهجوم ثلاث سرايا تم استقدام اثنتين منها من منطقة "مشمار هعيمق" والجعارة. مني هذا الهجوم بالفشل الذريع، وعادت القوات على أعقابها وقد تكبدت المزيد من القتلى والجرحى. 

قاد سرية جيش الإنقاذ في صد الهجوم اليهودي إسماعيل قبلان الذي قاد هذه السرية في غياب قائدها أبو الخير رضوان الذي كان وقت الهجوم على تل الشارعة في لقاء تنسيقي مع القائد الأعلى للفوج شكيب وهّاب في قرية الكساير.

يقول إسماعيل قبلان عن تلك المعركة: "تقدمت مع سريتين تحت غطاء نيران السرية الثالثة للفوج تقدمنا بسرعة داخل الوادي الذي كان مزروعاً بالحنطة، انتشرنا أسفل تل الشارعة وذلك عندما فتحت علينا النار من جهة مركز الشرطة البريطانية في شفاعمرو.... تقدمنا صعوداً جهة قمة التل وقمنا بمهاجمة اليهود ونحن نغني الأناشيد الحربية لجبل الدروز، قام جندي يهودي برمينا بقنبلة يدوية ولكننا وصلنا إلى وضع قتال وجه لوجه. عندما سمع اليهود صياحنا هربوا إلى داخل الوادي المؤدي إلى كفار عطا. اثنان من اليهود تمددا جنباً إلى جنب وأخذا يرمياننا بالرصاص، أحد جنودي رماهما بقنبلة يدوية التي انفجرت بقربهما وقد وجدتهما بعد ذلك ميتين". 

وعن تلك المعركة كتب شكيب وهّاب تقريراً للقيادة العليا جاء فيه: "حصل العدو على نجدات من حيفا وحاول مهاجمتنا من الجهة الشمالية تحت غطاء من النيران الميتة. صمد جنودنا في مواقعهم والمعارك استمرت طيلة اليوم. لقد ضربناهم ضربة قاصمة وأوصلناهم ثانية إلى كفار عطا. كانت خسائر اليهود 200 قتيل على الأقل والكثير من الجرحى. لقد غنمنا الكثير من الغنائم. استشهد أربعة من رجالنا وجرح عشرة آخرون".

من الواضح أن شكيب وهّاب بالغ إلى حد كبير بالنسبة لأعداد القتلى اليهود ( ذكر 200 قتيل بدلاً من 12 قتيلاً ) ولكنه كان دقيقاً بالنسبة للوقائع على الأرض. هذه الوقائع التي أدخلت كافة الأطر القيادية العسكرية اليهودية في منطقة الشمال في حالة طوارئ قصوى قاموا على إثرها باستقدام لواء كامل ( 12 سرية مقاتلة ) من كافة قطاعات القتال لحسم المعركة في منطقة الهوشة والكساير، وكان الهدف احتلال هاتين القريتين وإخراج قوات جيش الإنقاذ منهما وتهجير أهلهما. 

وهذا ما حصل بالفعل في اليوم الرابع للمعارك أي في السادس عشر من نيسان 1948. استعملت القوات اليهودية في الهجوم هذه المرة راجمات القنابل من عيار بوصتين ومدافع رشاشة حديثة هذا إضافة إلى استبدال كافة الوحدات المقاتلة بوحدات أخرى الشيء الذي لم يحصل لدى القوات العربية والتي قاتل مقاتلوها ثلاثة أيام كاملة دون راحة أو استبدال بقوات أخرى وقد جاؤوا إلى لحظة الحسم في اليوم الرابع وهم منهكون وخائرو القوى. استعمل جيش الانقاذ في هذه المعركة بعض المدرعات وقرابة 50 مدفعاً رشاشاً قد استبسلوا بالدفاع عن قرية هوشة التي استمر القتال فيها يوماً كاملاً بعد سقوط قرية الكساير. انتهت المعارك في هذه الجبهة في الليلة الواقعة بين 16-17 نيسان بانسحاب فوج جيش الإنقاذ من القريتين بعد تكبده خسائر فادحة في اليوم الرابع للمعارك. في حين تم تهجير السكان من القريتين وهدم معظم بيوتهما.

McNabulsy
 
 

الجنس : ذكر
الدولة :
عدد المساهمات : 1020
نقاط النشاط : 1444
تقييمك : 5
تاريخ التسجيل : 08/06/2015
العمر : 18

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://inkor.ibda3.info/

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

default رد: حلقات من دفاتر النكبة

مُساهمة من طرف McNabulsy في الخميس 17 مارس - 21:43

من دفاتر النكبة (23 ): 
"جيش الجهاد المقدس" واستقلالية القرار الفلسطيني (1)../ 
بعد ازدياد تدخل الجامعة العربية في الشأن الفلسطيني وجملة القرارات التي اتخذتها في هذا الشأن، ومن ضمنها إرسال قوات جيش الإنقاذ إلى فلسطين، وجدت القيادة الفلسطينية، وعلى رأسها الحاج أمين الحسيني، نفسها مهمشة وغير قادرة على اتخاذ أي قرار يتعلق بمستقبل بلادها. لم يرق ذلك للحاج أمين الذي حمل منذ فجر سنوات العشرين من القرن الماضي راية "استقلالية القرار الفلسطيني"، خاصة بعدما ازدادت علاقاته تعقيداً مع قادة اللجنة العسكرية للجامعة العربية وقادة جيش الإنقاذ وعلى رأسهم قائده العام فوزي القاوقجي. 

قرر المفتي إقامة ذراع عسكري فلسطيني داعم للهيئة العربية العليا، وقد أطلق عليه اسم "جيش الجهاد المقدس". 

تكون هذا الجيش من وحدات من المتطوعين الفلسطينيين، عمادها قادة ومقاتلو الفصائل المسلحة التي اشتركت في ثورة 1936 -1939 وبضع عشرات من الفلسطينيين الذين كانوا قد تجندوا في قوات الحلفاء (ضمن الجيش البريطاني ) أثناء الحرب العالمية الثانية. 

أخذت الهيئة العربية العليا على عاتقها أمر تسليح وتموين هذه القوات، وعلى النقيض من الوحدات التابعة لجيش الإنقاذ، فقد فازت وحدات جيش الجهاد المقدس بتعاطف ومعاضدة الأهالي في الأماكن التي نشطت فيها هذه الوحدات. وقد فضل الشبان الفلسطينيون التطوع في صفوف هذه الوحدات على أن يكونوا هدفاً للاستهتار من قبل القائمين على قوات جيش الإنقاذ والذين لم يخفوا مشاعر الاستعلاء والاستهتار إزاء المتطوعين الفلسطينيين في وحداتهم. 

أما النواة الأساسية لهذه القوات فكانت مجموعة الفصائل المسلحة التي أنشأها عبد القادر الحسيني (1908 – 1948 ) في منطقة القدس. وعبد القادر هو ابن موسى كاظم الحسيني ( والي اليمن ورئيس بلدية القدس في العهد العثماني ورئيس اللجنة التنفيذية العربية أبان حكم الانتداب البريطاني). وهو حائز على شهادة البكالوريا من الجامعة الأمريكية في القاهرة (يوم تخرجه من هذه الجامعة قام بتمزيق شهادتها على الملأ وأمام السفير الأمريكي في القاهرة، الشيء الذي سبب أزمة دبلوماسية بين القاهرة وواشنطن انتهت بإبعاد عبد القادر من مصر).

استعان عبد القادر بتجربته الغنية في حرب الأنصار، والتي كان قد اكتسبها أثناء ثورة 1936 -1939، كما وأضاف إليها دراسة مهنية في العلوم العسكرية تلقاها في الكلية العسكرية العراقية في بغداد، والتي حصل على أثرها على رتبة ضابط صف في الجيش العراقي، وشارك في الثورة التي قادها رشيد عالي الكيلاني هناك في أيار من عام 1941. 

فور الإعلان عن إنشاء وحدات جيش الجهاد المقدس، سارع للانضمام لعبد القادر رفاقه من قدامى مقاتلي ثورة 1936- 1939 وزملاؤه من أيام الكلية العسكرية في بغداد. فقد انضم على التوالي كل من : إبراهيم أبودية من صوريف (قضاء الخليل)، وبهجت أبو غربية من القدس، وحسن سلامة من قرية قولا (قضاء الرملة )، ويحيى هواش من قرية البروة (قضاء عكا)، وحمد زواتا من قرية زواتا (قضاء نابلس)، وتوفيق الإبراهيم (أبو إبراهيم الصغير ) من قرية أندور (قضاء الناصرة)، وخليل العيسى (أبو إبراهيم الكبير) من قرية المزرعة الشرقية (قضاء رام الله ) وآخرون.

ومن المهم التنويه هنا أن بعض هؤلاء الذين سبق ذكرهم كان قد انتمى للفصائل السرية المسلحة التي أقامها الشيخ عز الدين القسام في منطقة حيفا والشمال في النصف الثاني من الثلاثينيات. وبسبب هذه الخلفية عاد هؤلاء واتخذوا لأنفسهم لقب "قساميين"، وقد عادوا إلى القواعد التي كانت لهم في ثورة 1936-1939، وأعادوا تجنيد من تبقى من رفاق السلاح أثناء تلك الثورة. 

في مذكراته يتحدث بهجت أبو غربية، أحد مساعدي عبد القادر الحسيني في جبهة القدس،عن آليات تجهيز وتدريب جيش الجهاد المقدس، فيقول إنه سافر إلى القاهرة ليلاقي القائد عبد القادر الحسيني الذي قام بالاتصال بالمحاربين القدامى في جميع أنحاء فلسطين، وذلك كي يتم تنظيمهم ضد المشروع الصهيوني.

ويضيف أبو غربية أنه اتفق مع عبد القادر على خطة لتنظيم وتسليح قطاع القدس، بحيث حددا كميات السلاح والذخيرة لكل حي، وقاما بتعيين قائد عسكري لكل حي. واتفقا على أن يقوم عبد القادر بإرسال كل السلاح والذخيرة التي يحتاجها قطاع القدس مع إبراهيم أبو دية، في حين يقوم أبو غربية بتهيئة المخازن والمخابئ لاستلام السلاح. 

من الضروري أن نذكر بأن هذا اللقاء الذي يروي وقائعه بهجت أبو غربية، كان قد حصل قبل اتخاذ هيئة الأمم المتحدة لقرار التقسيم في التاسع والعشرين من تشرين الثاني عام 1947، الشيء الذي يعني أن القيادة الفلسطينية (وعبد القادر الحسيني على وجه الخصوص ) كانت مدركة لإمكانية تعقد الأوضاع واللجوء إلى السلاح وأنها أخذت احتياطاتها في قطاع القدس على الأقل، ولكن دخول الجامعة العربية في الصورة أعاق إلى حد كبير قدرة المناورة للقيادات العسكرية الفلسطينية، وجعل من أمر نجاحها بالدفاع عن مواقعها أمراً أشبه بالمستحيل.

قد يقول قائل بأن ذلك جاء متأخراً، ويقول آخر بأن سياسة الحاج أمين طيلة فترة الانتداب انصبت على جذب انتباه العالمين العربي والإسلامي نحو دور أكثر فعالية في الموضوع الفلسطيني، ولكن الإجابة تكمن في شكل الدور العربي والذي لم يأت كما أرادته القيادة الفلسطينية: مجسداً لحدة التعاطف الشعبي العربي في سائر الأقطار العربية مع الشعب الفلسطيني من جهة، ومحترماً لاستقلالية الرأي الفلسطيني وسيادته من جهة أخرى. أما لقضية التوقيت المتأخر لعملية التأهب والاستعداد فإنه من الواضح للجميع بأن المجتمع الفلسطيني برمته لم يدرك خطورة ما آلت إليه قضيته إلا في السنوات القليلة التي تلت الحرب العالمية الثانية، وذلك بسبب ازدياد وتيرة الهجرة اليهودية، وتعاظم تعاطف القوى المؤثرة على مستوى العالم آنذاك، مع مشروع الوطن القومي اليهودي. 

ولكن بالرغم من ذلك التأخر الواضح إلا أن التحضيرات التي قام بها عبد القادر الحسيني في قطاع القدس في النصف الثاني من سنة 1947 كان قد أثبت نفسه (على الأقل حتى استشهاد عبد القادر الحسيني في الثامن من نيسان 1948 في موقعة القسطل) في كل ما يتعلق بالدفاع عن الأحياء العربية في القدس وما جاورها من قرى. 

وكذلك فيما يتعلق بإقلاق الأحياء اليهودية وإجبار قيادة "الهاجاناة" بالحفاظ على قوات كبيرة للدفاع الشيء قلل من كثافة القوات اليهودية وفاعليتها في جبهات أخرى. ولعل المتأمل لمجمل الصورة في فلسطين في الشهور الأربعة الأولى التي أعقبت إصدار قرار التقسيم بوسعه أن يتفهم، إلى حد ما، دعاوى المفتي الحاج أمين الحسيني حول فظاظة تدخل الجامعة العربية وبعض البلاد العربية المجاورة بالشأن الفلسطيني وعدم مراعاتها لقدرات ورغبات الفلسطينيين حتى في قضية عن مدنهم وقراهم وأراضيهم

McNabulsy
 
 

الجنس : ذكر
الدولة :
عدد المساهمات : 1020
نقاط النشاط : 1444
تقييمك : 5
تاريخ التسجيل : 08/06/2015
العمر : 18

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://inkor.ibda3.info/

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

default رد: حلقات من دفاتر النكبة

مُساهمة من طرف McNabulsy في الخميس 17 مارس - 21:43

من دفاتر النكبة (24): 
جيش الجهاد المقدس والسعي لاستقلالية القرار الفلسطيني (2)../ 
كانت إقامة جيش الجهاد المقدس منافية للمصالح البريطانية والطموحات الهاشمية ومصالح بعض الدول العربية الأخرى. وقد رافق الجنرال تشارلز كلايتون، الملحق السياسي البريطاني في القاهرة، كافة المداولات المتعلقة بالشأن الفلسطيني إن كان على مستوى مؤسسات الجامعة العربية أو على مستوى العلاقات الثنائية بين القاهرة وبين باقي العواصم العربية. 

انصبت السياسة البريطانية في حينه على معارضة إقامة دولة فلسطينية مستقلة أو أي جسم ومؤسسة فلسطينية مستقلة تعمل بإمرة المفتي، وذلك لعدة أسباب كان أهمها محاسبة المفتي على التحالف مع دول المحور في الحرب العالمية الثانية، وكذلك الخوف من أن تسير الدولة الفلسطينية المستقلة المقترحة على سياسة معادية لبريطانيا وحليفاتها بشكل يهدد، حسب الرؤية البريطانية، أمن واستقرار المنطقة. 

كما وأنه غني عن القول الـتأكيد على أن بريطانيا فضلت تفاهماتها وتحالفها مع الهاشميين ( الذين عارضوا معارضة شديدة إقامة دولة فلسطينية بزعامة المفتي الحاج أمين الحسيني ) والذين وقفوا وراء بريطانيا في المراحل الصعبة أثناء الحرب العالمية الثانية. هذا فضلاً على أن الهاشميين في العراق والأردن لم ينسوا اشتراك المفتي في ثورة رشيد عالي الكيلاني في أيار 1941. صحيح أنه كانت للدولتين الهاشميتين (العراق والأردن ) طموحات مختلفة بالنسبة لمستقبل الهلال الخصيب، ولكن كان لكليهما عداء واضح للحاج أمين ولخططه بالنسبة لمستقبل القضية الفلسطينية. 

جيش الجهاد المقدس في محك المعارك: اختلفت آليات عمل جيش الجهاد المقدس عن آليات عمل جيش الإنقاذ إن كان ذلك في طريقة القتال أو طرق التعبئة والتموين والتسليح، والأهم من ذلك كله علاقته مع الأهلين. ففي حين حاول جيش الإنقاذ التصرف كجيش نظامي، عملت وحدات جيش الجهاد المقدس حسب مبدأ "حرب الأنصار" المبنية على هجمات مباغتة ضد المعسكرات والقواعد العسكرية أو مفارق وعصب المواصلات المركزية دون المحاولة للاستيلاء والسيطرة الدائمة (حسب المفاهيم العسكرية النظامية). 

كانت الوسائل والخطط القتالية التي سار عليها مقاتلو هذا الجيش مشابهة جداً لطرق القتال التي سارت عليها فصائل الثورة الفلسطينية للأعوام 1936 -1939، بحيث كان 35 ضابطاً من ضباط هذا الجيش من قادة الفصائل المسلحة للثورة. 

تمركزت معظم فصائل جيش الجهاد المقدس في منطقة المركز من القدس والخليل في الجنوب وحتى الحدود الشمالية لمنطقة اللد والرملة مروراً بمدينة يافا وقراها. كانت القيادة المركزية لهذا الجيش في مدينة بير زيت حيث تواجدت هناك هيئة أركان بقيادة عبد القادر الحسيني وعضوية كل من كامل عريقات (من قرية أبو ديس ) وقاسم الريماوي (من قرية بيت ريما ). وبعد استشهاد القائد عبد القادر الحسيني في موقعة القسطل قام خليفته في القيادة، خالد الحسيني، بنقل هيئة الأركان والقيادة إلى داخل البلدة القديمة في مدينة القدس. 

نشطت في محيط مدينة القدس قرابة 15 سرية من سرايا جيش الجهاد، وبلغ عدد مقاتليها قرابة 1000 مقاتل. في محيط مدينة رام الله نشطت سبع سرايا، وبلغ عدد أفرادها قرابة 500 مقاتل، في حين نشطت في منطقة يافا واللد والرملة اثنتا عشرة سرية بقيادة حسن سلامة، وبلغ عدد مقاتليها قرابة الألف مقاتل. وأقام حسن سلامة هيئة أركان قيادية في منطقة راس العين ضمت بالإضافة له كلاً من محمود أبو الخير وفخري مرقة.

كما وعملت سرايا أخرى لجيش الجهاد في منطقة الشمال حيث نشطت سرية في محيط مدينة طبرية بقيادة صبحي شاهين، وسرية أخرى في منطقة جنين بقيادة فوزي جرار (من قرية صانور)، وثلاث سرايا في منطقة الناصرة عملت تحت قيادة توفيق الإبراهيم (أبو إبراهيم الصغير وهو من قرية اندور).

بلغ عدد مقاتلي كافة سرايا منطقة الشمال قرابة 500 مقاتل. وبذلك يكون العدد العام لمجموع مقاتلي جيش الجهاد قد بلغ قرابة الثلاثة آلاف مقاتل، هذا إضافة إلى العشرات الذين اهتموا بالأمور التنظيمية واللوجستية كالتجنيد وإيجاد السلاح ونقله إلى مواقع المقاتلين وكذلك إقامة شبكة لجمع المعلومات ونقلها بين قيادة المفتي في القاهرة إلى قادة السرايا المقاتلة على الأرض. 

كانت قوات جيش الجهاد المقدس هي القوات العربية الوحيدة التي كانت جاهزة لمباشرة مهامها القتالية فور الإعلان عن قرار التقسيم في التاسع والعشرين من تشرين الثاني عام 1947. كانت العملية العسكرية الأولى التي نفذها مقاتلو هذا الجيش في قطاع القدس، وذلك في الرابع عشر من كانون الأول لعام 1947 حين قامت مجموعة لجيش الجهاد المقدس بقيادة بهجت أبو غربية بمهاجمة حافلة يهودية كانت في طريقها إلى الجامعة العبرية في جبل المشارف (هار هتسوفيم ). قتل في هذه العملية اثنان من راكبي الحافلة، وجرح تسعة. وأعلنت قيادة الجهاد المقدس أن هذه العملية جاءت رداً على مهاجمة قوات "الهاجاناه" لتجمع عربي في باب الخليل وقتلها لستة من العرب وإصابة قرابة العشرين بجراح متفاوتة. 

توالت هجمات جيش الجهاد المقدس على القوافل ووسائل النقل اليهودية، ففي الرابع عشر من كانون الثاني عام 1948 هوجمت قافلة يهودية على مقربة من قرية بيت نبالا (قضاء الرملة ) قتل بعض أفرادها وجرح آخرون، وفي السادس عشر من الشهر ذاته هوجمت قافلة يهودية ترافقها سيارات عسكرية يهودية للحراسة في منطقة قرية صوريف في قضاء الخليل وقد قتل 35 من أعضاء القافلة وجرح العشرات، في حين خسر مقاتلو جيش الجهاد أربعة مقاتلين وجرح مثل عددهم. 

ولشدة ما أصاب القافلة اليهودية من أهوال يعرف الحدث في الرواية التاريخية اليهودية باسم " قافلة ال- 35 أو ال- ל"ה " وذلك على عدد القتلى اليهود في هذا الحدث. كما وقامت خلايا التفجير التابعة للجهاد المقدس بتفجير شارع "هسوليل" في الأول من شباط 1948، وشارع "بن يهودا" في الثاني والعشرين منه. وأدت هاتان العمليتان إلى مقتل 74 شخصاً وجرح قرابة المائتين. 

وووجهت هذه العمليات بعمليات يهودية انتقامية بشكل فاقم الوضع في قطاع القدس إلى حرب أحياء دامية راح ضحيتها المئات من الطرفين في غضون شهري شباط وآذار 1948، الشيء الذي شكل مقدمة لما جرى في الثامن والتاسع من نيسان 1948 في موقعة القسطل ومجزرة دير ياسين وعن ذلك سنفصل في الحلقة القادمة

McNabulsy
 
 

الجنس : ذكر
الدولة :
عدد المساهمات : 1020
نقاط النشاط : 1444
تقييمك : 5
تاريخ التسجيل : 08/06/2015
العمر : 18

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://inkor.ibda3.info/

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

default رد: حلقات من دفاتر النكبة

مُساهمة من طرف McNabulsy في الخميس 17 مارس - 21:44

من دفاتر النكبة (25):
جيش الجهاد المقدس واستقلالية القرار الفلسطيني (3)../
 بعد اشتداد معارك الأحياء في القدس، انتقلت شعلة الصدامات لتشمل قرى محيط القدس ومداخلها الجنوبية والغربية. وفي شهر آذار 1948، على وجه لتحديد، اشتدت المساعي للسيطرة على النقاط الإستراتيجية المؤدية إلى مدينة القدس من منطقة اللطرون وباب الواد وكذلك على طريق القدس – بيت لحم –الخليل. 

معركة الدهيشة: كانت معركة الدهيشة من أكبر الانجازات العسكرية لجيش الجهاد المقدس في قطاع القدس. حصلت هذه المعركة يومي السابع والعشرين والثامن والعشرين من شهر آذار، وذلك على أثر نجاح قافلة يهودية كبيرة مكونة من 58 مركبة موزعة بين مصفحات وحافلات وشاحنات، خرجت من القدس إلى "كفار عتسيون" تحت جنح الظلام، ودون أن يتمكن المقاتلون العرب من اعتراضها.

ولكن القادة الميدانيين قدّروا، وكان تقديرهم في محله، على أن القافلة ستعود من نفس الطريق بعد إفراغها لحمولتها وهذا ما كان في الفعل. ففي الصباح الباكر ليوم السابع والعشرين من آذار عادت سيارات القافلة أدراجها إلى القدس، وكان كمين عربي كبير بانتظارها في موقع الدهيشة المجاور لمدينة بيت لحم.

قام المقاتلون العرب، ومن ساعدهم من قوات الفزعة القادمة من القرى المحيطة، بإغلاق الطريق بحواجز من الحجارة وحاجز من الألغام. توقفت القافلة تحت وطأة رصاص رجال الكمين وقيام المقاتل يوسف الرشماوي بإيقاف المصفحة اليهودية الأولى بعد أن فجر نفسه بحزام ناسف قبالتها فتعطلت وقتل من في داخلها.

قام مقاتلو جيش الجهاد بتشديد الحصار على رجال القافلة اليهودية الذين لجأوا بمعظمهم إلى مبنى مهجور وقع بالقرب من الحاجز، وقد حاولت طائرتان يهوديتان خفيفتان التدخل لكسر الحصار عن رجال القافلة، ولكن مهمتهما كانت مستحيلة لالتحام القوتين وعدم قدرة الطيارين على التفريق بين المقاتلين من الطرفين.

استمر القتال بشدة حتى المساء، في حين طالب الطرف اليهودي المندوب السامي والصليب الأحمر بالتدخل، حيث بدأت عملية مفاوضات مكثفة بين قائد جيش الجهاد في الموقع، كامل عريقات، وبين ضباط بريطانيين وممثلي الصليب الأحمر يرافقهم وسيطان فلسطينيان هما عارف العارف وعيسى البندك. وقد أصرّ عريقات، بعد مشاورات تلفونية أجراها مع الحاج أمين الحسيني (المقيم في حينه في القاهرة ) على ضرورة استسلام رجال القافلة وتسليمهم العتاد والمركبات بكاملها. 

وهذا ما حصل في نهاية الأمر حيث قام رجال القافلة بتسليم ما لديهم من عتاد صالح لقوات الجهاد، في حين قام الانجليز بنقل جثث القتلى والجرحى وتسليمها إلى ممثلي القوات اليهودية في القدس.

بلغت غنائم جيش الجهاد من المركبات والعتاد 3 من المصفحات، و8 من الحافلات المصفحة، و30 شاحنة، وطنا ونصف من المواد المتفجرة، ومئات البنادق، وبعض المدافع الرشاشة من طراز "ستين" و"برين" و"براوننغ".

خسر اليهود في هذه المعركة 15 قتيلاً، ووقعت في صفوف مقاتليهم 50 إصابة، في حين بلغت خسائر جيش الجهاد 12 شهيداً و3 من الجرحى.

رفعت معركة الدهيشة كثيراً من معنويات الطرف الفلسطيني، ولكن هذه الغنائم لم تحول للقيادة المركزية لجيش الجهاد بل تقاسمها رؤساء فصائل القرى التي شاركت في القتال وذلك ليتسنى لها الدفاع عن قراها إذا اقتضت الضرورة ذلك. 

معركة المصرارة: رغبة من القوات اليهودية بتخفيف الضغط عن قافلة الدهيشة المحاصرة، قامت بمهاجمة حي المصرارة بشدة مستعملة في قصفها له قنابل المورتر من عيار 2 و3 انتش. وقد أحدث ذلك دماراً هائلاً في المباني والشوارع وهلعاً شديداً في صفوف الأهلين، خاصة عندما امتد القصف ليشمل منطقة باب العمود.

وقد سقط نتيجة للقصف 7 من المدنيين (2 في المصرارة و5 في ساحة باب العمود ) وجرح العشرات. وقد ردت القوات العربية المرابطة في المنطقة بقيادة بهجت أبو غربية بقصف مماثل بقنابل المورتر لحي "ميئة شعاريم"، وأحدثت فيه خسائر جسيمة أدت إلى اشتعال حريقين كبيرين في مراكز للذخيرة تقع في الطرف الجنوبي لـ"ميئة شعاريم"، كما وسبب القصف المركز في المورتر نزوح ما لا يقل عن خمسة آلاف من سكانها إلى مناطق أكثر أمناً في غربي القدس. 

معركة القسطل: كانت قرية القسطل وقلعتها الواقعة على الحافة الجنوبية لطريق يافا – القدس (على بعد قرابة 12 كم منها) هي إحدى أهم النقاط الإستراتيجية التي سعى الطرفان للسيطرة عليها. أولاً بحكم ارتفاعها ومناعتها (ترتفع عن مستوى سطح البحر 750 متراً )، وثانياً لكونها تسيطر بإحكام على طريق الإمدادات اليهودية من منطقة الساحل ( تل أبيب على وجه التحديد ) إلى الأحياء اليهودية في القدس.

قامت قوات يهودية كبيرة بمهاجمة قرية القسطل (التي بلغ عدد سكانها قرابة 300 نسمة عام 1948 ) يوم الثالث من نيسان، واحتلتها بعد معركة قصيرة مع حاميتها ضئيلة العدد والمسلحة بعتاد قليل لم يتعد بضعة بنادق وبعض صناديق الذخيرة.

قامت القوات المهاجمة بإجلاء السكان فور احتلالهم للقرية، وشرعت على الفور بتحصينها بالأسلاك الشائكة والسواتر الترابية خاصة في بيت المختار الواقع في القلعة ومنطقة المسجد الملاصق لها في أعلى القمة. 

كان عبد القادر الحسيني أثناء الهجوم اليهودي الأول متواجداً في دمشق للاجتماع بأعضاء اللجنة العسكرية للجامعة العربية وسكرتيرها العام عبد الرحمن عزام. ناقش عبد القادر مع من اجتمع به أمور تسليح المقاتلين الفلسطينيين بشكل عام ومنطقة القدس بشكل خاص. كما وناقش معهم قضية التضييقات التي مارستها قوات جيش الإنقاذ ضد المقاتلين الفلسطينيين التابعين لجيش الجهاد والتي وصلت في بعض الحالات إلى الاعتقال وتجريد السلاح. 

لم تفلح مفاوضات عبد القادر في دمشق كثيراً، وقد خرج من قاعة الاجتماع معهم، ليلة السادس من نيسان 1947، بعد تبادل الاتهامات والكلمات اللاذعة ضدهم ناعتاً إياهم بالخيانة والتقصير.

عاد عبد القادر من دمشق إلى القدس صباح اليوم السابع من نيسان، عاد حانقاً خالي الوفاض، وقد اتصل برجاله وهو في الطريق أكثر من مرة يحثهم فيها على استعادة القسطل مؤكداً لهم بأن "القسطل هي القدس ". عاد ليخوض معركة استعادة القسطل وليستشهد فيها، وعن ذلك سنفصل في الحلقة القادمة

McNabulsy
 
 

الجنس : ذكر
الدولة :
عدد المساهمات : 1020
نقاط النشاط : 1444
تقييمك : 5
تاريخ التسجيل : 08/06/2015
العمر : 18

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://inkor.ibda3.info/

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

default رد: حلقات من دفاتر النكبة

مُساهمة من طرف McNabulsy في الخميس 17 مارس - 21:45

من دفاتر النكبة (26)
: جيش الجهاد المقدس واستقلالية القرار الفلسطيني (4)../ د. مصطفى كبها 
تسارعت الأحداث بعد عودة عبد القادر من دمشق بشكل صعّب على الباحثين استرجاع وحصر ما جرى من تفاصيل منذ عودته وحتى لحظة استشهاده. 

حاول المناضل بهجت أبو غربية في مذكراته " في خضم النضال العربي الفلسطيني "استرجاع ما حصل مع عبد القادر منذ عودته، والواضح من حديثه بأن عبد القادر عاد مباشرة إلى منطقة القسطل، ولم يلتق به في القدس بعد عودته. حيث أن عبد القادر ذهب للقاء إبراهيم أبو ديّة، قائد القطاع الجنوبي الغربي لمنطقة القدس. 

وقد نقل ما حدثه به إبراهيم أبو ديّة عما حصل في الساعات القليلة التي سبقت استشهاد عبد القادر حيث قال: "وضعنا خطة لاسترداد القسطل، ونظمنا صفوفنا للهجوم على ثلاثة محاور، فبعد القصف بالمورتر، تتقدم الميمنة من الجنوب الشرقي، ويقودها حافظ بركات، والميسرة تتقدم من الجنوب الغربي وقوامها مجموعة المناضل هارون بن جازية والقلب يقوده إبراهيم أبو دية.

أما القائد عبد الحسيني فاتخذ من محاجر الياشار مقر قيادة على بعد نحو كيلومتر ونصف من قمة القسطل، ولم يبق لديه إلا بعض الإداريين وكبار السن، حتى أن حارسه الخاص عوض محمود الترمسعاوي ألحقه بإبراهيم أبو دية لأنه كان مسلحاً برشاش برن جيد". 

إلى هنا رواية إبراهيم أبو ديّة كما نقلها بهجت أبو غربية عن المرحلة الأولى من مراحل الهجوم لاسترداد القسطل. وقد يكون في بعض التفاصيل الواردة ما يميط اللثام عمّا جرى مع القائد عبد القادر الحسيني بعد ذلك. 

ذكر أبو دية بأنه لم يبق لدى القائد إلا بعض الإداريين وكبار السن وهو لم يعرف بالطبع بأنه كان بينهم أيضاً مستعرب يهودي يدعى يسرائيل نتّاح ومتعاون عربي (من المقربين جداً للقائد عبد القادر) ويدعى محمود، وقد كانا قد كلفا من قبل جهاز الاستخبارات التابع لـ"الهاجاناه" بمرافقة القائد عبد القادر الحسيني وتزويد القيادة اليهودية أنباء تحركاته وتحركات قواته. 

أقام محمود (وأصله من القدس ) فترة من الزمن في يافا، وهناك تعرف على إلياهو جولمب، القائد البارز في الهاجاناه، الذي قام بتجنيده لمصلحة الشاي (جهاز الاستخبارات التابع للهاجاناه ) مستغلاً صلاته القريبة بالقائد عبد القادر الحسيني. 

وعن علاقة يسرائيل نتاح مع محمود وطبيعة المهمة التي كلفا بها جاء في كتاب صدر تحت عنوان "وطني إسرائيلي" وفيه توثيق لقصة يسرائيل نتاح واستعرابه داخل قوات الجهاد المقدس الفلسطينية: "توطدت العلاقة بين يسرائيل ومحمود بعد أن قاما بتثبيت "ميثاق أخوة" وهو ميثاق دم على الطريقة العربية. حصل ذلك على شاطئ بحر يافا وعلى خلفية الغروب. قدم يسرائيل إبهامه لمحمود الذي قام بجرحه وكذلك فعل محمود. ثم قاما بتقريب أصبعيهما النازفين بالدم لتخلط دماؤهما ويقسما أن يكونا مخلصين، الواحد للآخر، وأن يكون كل واحد منهما على استعداد ليبذل حياته في سبيل صاحبه. ومنذ ذلك التاريخ لم ينفصل الواحد منهما عن الآخر، وقاما سوية بالتخطيط لعملهما المشترك في خدمة الهاجاناه. 

تلخصت مهمتهما بالانضمام إلى المجموعات الفلسطينية المقاتلة المنتشرة في أنحاء البلاد المختلفة، بغرض الوقوف على خططها وشكل تسليحها. انتحل يسرائيل شخصية مصور صحافة عربي، أما محمود فعرض نفسه على أنه مرافق مساعد للصحافي. 

غيّر يسرائيل اسمه إلى إبراهيم السيّد، وحمل بطاقة صحافي مزورة تابعة لصحيفة فلسطين. وبالمقابل تعلم عادات العرب وصلواتهم ودأب على أداء الركعات خمس مرات في اليوم. بعدها سافر الاثنان للقدس وهناك تلقيا الأوامر بالانضمام للمجموعات المسلحة العربية. قام إبراهيم (يسرائيل ) ومحمود بشراء كاميرا صغيرة من طراز كوداك وأفلام مناسبة ثم اشتريا، بغرض إكمال عملية التخفي والانتحال، بعض أمشاط الرصاص التي تعلق على الصدر وكوفيات ومسدسات. ثم انتقلا إلى حي الشيخ جراح إلى بيت ابن عم محمود وهناك التقيا بعبد القادر الحسيني وكان ذلك في نهاية كانون الأول 1947 ". 

وعما جرى في معركة القسطل تحديداً يقول يسرائيل بأنه وصل هو ومحمود إلى مقر القيادة المؤقت لعبد القادر الحسيني في المنطقة، وذلك في ليلة السابع من نيسان، وهناك التقيا عبد القادر. وأردف قائلاً بأنه شاهد عن كثب عبد القادر الحسيني وقد انكب على خارطة رملية يشرح لرجاله تفاصيل خطة الهجوم المرتقب لاستعادة القسطل. قام يسرائيل بتصوير عبد القادر وهو يشرح خطة الهجوم وقد كانت آخر صورة تلتقط لعبد القادر وهو على قيد الحياة. 

لم تحسم الروايات العربية ما حصل بعد انطلاق الهجوم لاسترداد القسطل في تمام الساعة الحادية عشرة ليلاً. جميع المصادر تجمع على توقف القوة الأولى بقيادة إبراهيم أبو دية على أعتاب قلعة القسطل وبيت المختار، وذلك بعد تحصن معظم المدافعين اليهود هناك، بعد إصابة قائد هذه الوحدة بجراح عرقلت إمكانية استمراره بقيادة الهجوم. هذا فضلاً عن استشهاد بعض رجاله في طليعة الهجوم. كما وتجمع الروايات على توقف الجناح الأيمن للهجوم وتقدم الجناح الأيسر الذي استطاع دخول القرية من الغرب واجتياح معظم المواقع التي أقامها اليهود في هذه الجهة. 

بعد ورود كل هذه الأخبار إلى عبد القادر وهو في المحاجر بعث يطلب النجدة من حاميات منطقة القدس المختلفة، ولما وقع إلى أسماعه خبر إصابة أبو دية، بعث مبعوثاً من لدنه يستطلع الأمر، وعندما تأخر ذلك المبعوث قرر دخول المنطقة بنفسه دون التنسيق مع رجاله الذين استمروا بمهاجمة القلعة وتمكنوا من تحصيناتها في فجر يوم الثامن من نيسان. 

عن ذلك يقول نبيل خالد الآغا كاتب السيرة الذاتية لعبد القادر: "أصيب إبراهيم أبو دية بجرح عميق ومعه ستة عشر من رجاله، واستشهد آخرون وتضعضع قلب الهجوم، فغضب عبد القادر أشد الغضب وأقساه، وخشي الهزيمة، فاندفع مزمجراً مكبراً: الله أكبر، إلى الأمام يا أبطال القسطل.. وهاجم تلاً عالياً حصيناً وقاد بنفسه جنوده مخالفاً بذلك قوانين الحرب التي تحتم بقاء القادة الكبار في مؤخرة الجنود حفاظاً على سلامتهم، وانتصر البطل وحقق معجزة حربية".

لا تفي أقوال الآغا هذه بغاية كشف النقاب عن حقيقة ما حدث، كما أن حديثه عن قيادة عبد القادر لجموع جنوده نحو القلعة تتنافى مع أقوال أوردها بنفسه عن بقاء عبد القادر في مركز القيادة مع أربعة رجال فقط: مساعده علي الموسوس وثلاثة من الشباب المقدسين ليس إلا. والسؤال يبقى من أين أتى الآغا بجموع الجنود التي تبعت القائد بهجومه الرديف لقواته التي كانت آنذاك في عز أتون المعركة؟

وإذا افترضنا أن اثنين من الأربعة الذين بقوا مع القادر كانا يسرائيل ومحمود (وذلك حسب أقوال أفضى إلي بها يسرائيل نتاح في مقابلة كنت قد أجريتها معه في السابع عشر من تموز عام 2008 ) وإذا قارنا ذلك بغياب الاثنين الآخرين بمهمات ألقاها عليهم عبد القادر ( الأول بعثه عبد القادر لطلب النجدات من القدس، والثاني، وهو علي الموسوس، بعثه عبد القادر ليستطلع حقيقة إصابة أبو دية في مقدمة الجبهة) نخلص إلى القول بأن أكثر التفسيرات رجوحاً لما حصل هو أن يكون المستعرب يسرائيل ورفيقه مسؤولين محتملين عن اغتيال القائد في تلك المرحلة الدقيقة من المعركة بعد أن استغلا غياب رجاله من حوله، وانشغالهم في عملية استرجاع القسطل.

لم يصادق يسرائيل في المقابلة معه على هذا الاحتمال، ولكنه لم ينفه أيضا. واكتفى بالقول بأنه كان ورفيقه محمود أول من وصل إلى جثة عبد القادر بعد استشهاده، فأخذا من أغراضه مصحفاً صغيراً كان يضعه في جيب سترته، وخنجراً حفر عليه اسمه. ومن الجدير ذكره أن هذه الأغراض المسلوبة تعرض في المتحف التابع لقوات البلماح والواقع في مدينة تل أبيب. 

لقد حقق عبد القادر رغبته باسترجاع القسطل، لكن لم يكتب له رؤية ذلك عن كثب. وقد كان لخبر استشهاده الوقع الأليم على معنويات مقاتليه الذين ترك معظمهم مواقعهم صبيحة اليوم التالي، ليشاركوا بتشييع جثمان قائدهم ودفنه في رحاب الحرم القدسي. الشيء الذي فتح المجال أمام القوات اليهودية بشن هجوم معاكس واحتلال قرية القسطل ونسف منازله

McNabulsy
 
 

الجنس : ذكر
الدولة :
عدد المساهمات : 1020
نقاط النشاط : 1444
تقييمك : 5
تاريخ التسجيل : 08/06/2015
العمر : 18

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://inkor.ibda3.info/

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

صفحة 1 من اصل 2 1, 2  الصفحة التالية

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى