مساعدون الويب
شاطر
استعرض الموضوع السابقاذهب الى الأسفلاستعرض الموضوع التالي
avatar
 
 
ذكر
عدد المساهمات : 1020
نقاط النشاط : 1444
تقييمك : 5
تاريخ التسجيل : 08/06/2015
العمر : 18
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضوhttp://inkor.ibda3.info/

حلقات من دفاتر النكبة

في 17.03.16 21:30
من دفاتر النكبة (1):
معركة جنين(2-4 حزيران 1948 ) وأبعادها الاستراتيجية والتاريخية../ د.مصطفى كبها 




تعتبر معركة جنين الأولى والتي جرت بين الثاني والرابع من حزيران عام 1948 في قطاع مدينة جنين الفلسطينية وعمقها القروي من أكثر المعارك تأثيراً على مجريات الحرب في النصف الثاني من عام 1948. فلهذه المعركة الكثير من المدلولات التكتيكية والاستراتيجية والعديد من الانعكاسات القريبة والطويلة المدى على سير المعارك وعلى معنويات الشعب الفلسطيني وصموده في هذا القطاع المهم من جبهات القتال. 

منذ البداية، ظهر واضحاً للعيان أن قوات الجيوش العربية التي جاءت إلى فلسطين في الخامس عشر من أيار 1948 ورابطت في أجزاء مختلفة منها كانت تتمركز وتشترك في القتال، بشكل فعلي، فقط في المناطق المخصصة للدولة العربية حسب قرار التقسيم. هذا في حين لم تلتزم القوات اليهودية بذلك،حيث لم تكتف باحتلال المناطق المخصصة للدولة اليهودية بل هاجمت مناطق مخصصة للدولة العربية وقامت باحتلالها حتى قبل مغادرة القوات البريطانية فلسطين في الخامس عشر من أيار 1948.

بعد ان أكملت القوات اليهودية احتلال قرى المزار ونوريس وزرعين وتهجير أهلها في الثلاثين والحادي والثلاثين من ايار 1948، بدأت هذه القوات تقصف مدينة جنين بمدافع الهاون وبعض الطلعات الجوية وقد تركزت معظم الهجمات على محيط منطقة القلعة ( نقطة البولسي التي كانت في الماضي جزءاً من حزام القلاع الذي أقامه الضابط البريطاني تشارلز تيجارت أثناء ثورة 1936 -1939 ) والتي كانت مقراً للقوات المدافعة عن المدينة.

كان هذا القصف يهدف، كما يبدو، لتحقيق جملة من الأهداف العسكرية والاستراتيجية بعيدة المدى. فمن الناحية العسكرية كانت هذه الهجمات تهدف لاحتلال مدينة جنين والوصول إلى مفرقي قباطية ودير شرف الاستراتيجيين بحيث يكون من شأن القوات الواصلة إلى هناك عزل القوات العراقية المتمركزة في المثلث ومفاجأتها من الخلف بشكل يضطرها للانسحاب أو التسليم وهو أمر يعزز إلى حد كبير الوضع العسكري للقوات الإسرائيلية في االمواقع التي كانت قد احتلتها في قضائي حيفا وبيسان. 

أما على الصعيد الاستراتيجي فقد كان هذا القصف يهدف لترويع السكان المدنيين وتعجيل تهجيرهم كما حصل في القرى والمدن العربية التي كانت قد احتلت وهجر سكانها قبل ذلك. هذا مع العلم أن نسبة عالية من اللاجئين القادمين من قطاعات حيفا وبيسان، كانت قد وجدت لها ملجأ في مدينة جنين ومحيطها، إذ أن تهجير سكان المدينة ومحيطها أنفسهم كان من الممكن ان يبعد اللاجئين مسافة أكبر عن قراهم ويزعزع لديهم المعنويات والإصرار على العودة. 

كما وثمة هدف آخر سعت القيادة الإسرائيلية لتحقيقه وهو محاولة منع هجوم عراقي محتمل نحو العفولة ومرج ابن عامر يكون من شأنه عزل القوات اليهودية المتواجدة في منطقة بيسان وطبريا. 

في البداية نزح سكان زرعين والمزار ونورس وصندلة ومقيبلة والجلمة وزبوبة إلى جنين وبرقين وميثلون وقرى أخرى، ولكن مع اجتياح القوات الاسرائيلية مدينة جنين في الثاني من حزيران 1948 نزح اللاجئون وسكان مدينة جنين وقرية برقين أنفسهم نحو قرى جنوب القضاء وقرى شمالي قضاء نابلس. 

بلغ عدد القوات اليهودية المهاجمة قرابة 4000 مقاتل انتظموا في أربع فرق، ثلاث منها (الفرق 21 و 22 للواء كرملي والفرقة 13 للواء جولاني) قامت بالهجوم بشكل فعلي، أما الرابعة فقد انحصر نشاطها في أعمال التمويه والامداد. أما القوات العربية المدافعة فقد تكونت من: 250 جندياً عراقياً ينتمون إلى سريتين الأولى سرية مشاة بقيادة نوح عبد الله الحلبي وسرية مدرعات بقيادة الضابط محسن الأعظمي. 

وقد كانت هذه القوات مسلحة ببضعة مدافع هاون وسبع مدرعات وخمس رشاشات من طراز فيكرز. إلى جانب القوة العراقية كان هناك فصيل فلسطيني يتكون من خمسين مقاتلاً من قرى شرقي قضاء جنين يقوده الشهيد داود الحوراني وفصيل فلسطيني آخر يقوده فوزي فياض جرار من صانور وقد كان يتبع جيش الجهاد المقدس هذا إضافة لفصيل من المتطوعين الفلسطينيين والأردنيين كان يقودهم الضابط عبد الرحمن الصحن (وقد كانوا مرابطين قبل ذلك في قرى شمالي قضاء جنين كزرعين والمزار ونوريس) وبعض رجال البوليس الفلسطيني برئاسة الملازم نايف صالح البرغوش. وقد كان كل المتطوعين ورجال البوليس مسلحين سلاحاً خفيفاً لم يتعد البنادق الشخصية وبعض صناديق الذخيرة للبنادق الخفيفة. اما السرية التابعة للجيش الأردني والتي كانت تحت قيادة الضابط عصر المجالي ( إبن الشيخ رفيفان المجالي ) فقد كانت قد غادرت جنين قبيل الهجوم الإسرائيلي بأربع وعشرين ساعة وقد أثار انسحابها الهلع في قلوب المدنيين وصاحب ذلك تدهور حاد في معنوياتهم.

مع قدوم الضابط العراقي نوح الحلبي ( من مواليد الموصل عام 1909، خريج الكلية العسكرية في بغداد وقد أنهى خدمته في الجيش العراقي برتبة عقيد ) مع سريته في ليلة الثاني من حزيران أصبح هو القائد الأعلى لكافة الجنود والمتطوعين العرب وقد جعل مبنى قلعة البوليس مقراً لقيادته، وقد كان معه في مقر القيادة إضافة لقادة الوحدات المذكورة أعلاه قائمقام جنين عصام الشوا وقاضي محكمة الصلح في جنين خليل العبوشي والدكتور نصفت كمال وضابط البوليس نور الدين العبوشي. 

سير المعركة: في غضون يوم الثاني من حزيران 1948 وليلة الثالث منه، استطاعت القوات الإسرائيلية السيطرة على معظم التلال المحيطة بمدينة جنين بل واقتحمت معظم الأحياء السكانية بحيث لم يبق بيد القوات المدافعة سوى بعض الجيوب ومبنى القيادة في القلعة. وقد ابرق القائد نوح الحلبي إلى كافة القطاعات العراقية في فلسطين طالباً النجدة، وذلك بعد أن أوشكت ذخيرة جنوده على النفاذ. وقد كانت الوحدات التي يقودها المقدم عمر علي ( من مواليد كركوك عام 1910، خريج كلية بغداد العسكرية أنهى خدمته في الجيش العراقي برتبة زعيم ركن ) هي أقرب الوحدات العراقية إلى جنين حيث كانت هذه الوحدات في طريقها لاستبدال وحدات عراقية أخرى مرابطة في منطقة المثلث الجنوبي ( الطيرة وكفر قاسم ). 

بدأت طلائع القوة العراقية تصل مشارف جنين في الساعات المبكرة من فجر الثالث من حزيران، وقد سارت هذه القوات، التي ساندتها قوات من المتطوعين الفلسطينيين، في مسارين: الأول على الطريق العام نابلس - جنين وقد كانت هذه القوات برئاسة المقدم ميخائيل شلمون ( عراقي –أشوري)، والثاني كان بقيادة عمر علي وقد سلك طريقاً فرعياً غربي الطريق العام ليتسنى له مفاجأة القوات اليهودية من الخلف في منطقة برقين –اليامون. 

حاولت القوات اليهودية وقف تقدم النجدات العراقية من خلال قصفها من الجو من دير شرف وحتى جنين لكن هذه الهجمات لم تفلح بوقف التقدم سيما وأن تقدم القوات العراقية كان قد تم في الليل. بدأ الالتحام بين القوات في الثامنة صباحاً من يوم الثالث من حزيران. في البداية احتلت القوات العربية سفوح برقين وبعد ذلك استطاعت هذه القوات من السيطرة على تل الخروبة الاستراتيجي بعد معركة في السلاح الأبيض خاضتها سرية عراقية بقيادة الضابط إدريس عبد اللطيف. ثم اشتد القتال في منطقة محطة السكة الحديدية التي جعلتها القيادة اليهودية مقراً لها. في عصر ذلك اليوم حاولت القوات اليهودية القيام بهجوم مضاد من خلال وحدة مدرعات ووحدتي مشاة ولكن نيران المدفعية العراقية منعت هذا الهجوم من تحقيق أي انجاز على الأرض بل قامت القوات العراقية وقوات المتطوعين الفلسطينيين بهجوم آخر تكلل في صباح الرابع من حزيران بطرد القوات اليهودية من كافة الأحياء السكنية للمدينة بل طاردت فلول القوات المنسحبة إلى ظاهر جنين الشمالي، حيث انتهت الأعمال القتالية حوالي الساعة الحادية عشرة قبل الظهر. 

وقد غنم الجيش العراقي في هذه المعركة حوالي 300 بندقية من طرازات مختلفة وعشرة مدافع هاون وعشرين رشاشاً وأربعة أجهزة لاسلكية. قدرت خسائر القوات الإسرائيلية ب-300 بين قتيل وجريح، في حين قدرت الخسائر العربية بنحو 100 من العسكريين (عراقيين وفلسطينيين وأردنيين ) ونحو خمسين مدنياً. 

الملفت للنظر أن هذه المعركة لم تحظ بالاهتمام البالغ من جهة الكتاب والمؤرخين اليهود، فقد اختار البعض تجاهلها في حين ذكرها البعض الآخر بشكل عرضي، في حين لم ير فيها من ذكرها إخفاقاً بل انجازاً منع التواصل بين قوات الجيش العراقي في محيط المثلث الكبير ( جنين – نابلس – طولكرم ) وبين قوات جيش الانقاذ في الجليل. وعلى سبيل المثال فقد قال موشيه كرمل قائد المنطقة الشمالية في الجيش الإسرائيلي آنذاك في معرض حديثه عن تلك المعركة: " هذه المعركة المرة التي دفعنا فيها أغلى الدماء، حسمت مصير مرج يزراعيل الذي أصبح بعدها لنا إذ أن خطط وتحضيرات العدو لمهاجمة العفولة تحولت إلى شظايا بعد المعارك الطاحنة التي دارت في جنين ومحيطها". 

صحيح أن خط النار بعد هذه المعركة كان على مشارف مدينة جنين، لكن القوات العراقية سعت لإبعاده قرابة 15 كم نحو الشمال وقد نجحت في ذلك في سلسلة من الهجمات قامت بها في الثامن من تموز 1948، بحيث أضحى خط النار على تخوم قرية زرعين المهجرة شمالي خط قرى صندلة ومقيبلة، وقد بقي هذا خطاً للنار حتى اتفاقية رودس في ربيع 1949 بين الأردن وإسرائيل والتي جرى بموجبها تسليم قرى مقيبلة وصندلة للقوات الإسرائيلية التي دخلتها في تموز 1949. في حين كان العراقيون قد غادروا تلك المنطقة وسلموها للجيش الأردني في كانون الثاني من العام 1949. 

وللخلاصة نقول إنه لولا الإنجاز الذي حققته القوات العراقية وقوات المتطوعين من الفلسطينيين والأردنيين في معركة جنين لكان جزء كبير من قرى هذا القضاء في عداد القرى المهجرة وربما مدينة جنين نفسها التي كان سكانها قد نزحوا بمعظمهم عنها أثناء موجة الهجوم الإسرائيلية الأولى وقد عادوا بعد استردادها من قبل القوات 
العربية
avatar
 
 
ذكر
عدد المساهمات : 1020
نقاط النشاط : 1444
تقييمك : 5
تاريخ التسجيل : 08/06/2015
العمر : 18
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضوhttp://inkor.ibda3.info/

رد: حلقات من دفاتر النكبة

في 17.03.16 21:31
من دفاتر النكبة (2): 
تهجير القرى العربية في النقب عام 1948 : منطقة الشريعة كحالة بحث 

تعاني الرواية الفلسطينية للنكبة، في كل ما يتعلق بعملية تهجير القرى العربية في النقب، من النقص الشديد بل يمكننا القول بأنها تقاسي الكثير من التغييب والتجاهل، الشيء الذي ينعكس، إلى حد كبير، على معالجة قضايا أبناء الأقلية العربية الفلسطينية في النقب الملتهبة هذه الأيام. 

تتجاهل معظم المصادر الفلسطينية " المعتمدة " في هذا المجال العدد الدقيق للقرى العربية المهجرة في النقب. بعضها يحصرها في أربع قرى والبعض الآخر بتسع، والبعض الآخر يغالي قليلاً فيعطي الرقم 88. والأنكى من ذلك أن نسبة ليست قليلة من هذه المصادر تتجاهل مدينة بئر السبع الحاضرة المدنية الأهم لهذه المنطقة منذ إقامتها من قبل العثمانيين في مطلع القرن العشرين وجعلها عاصمة للقضاء.

وكما يبدو، فإن مسألة حصر عدد القرى العربية المهجرة في النقب ستتطلب من الباحثين والدارسين جهداً أكبر بكثير مما يبذلونه اليوم وذلك للتكشف لنا صورة ما جرى هناك بشكل أوضح.

في مقالتنا هذه سنحاول الوقوف على تفاصيل وآليات التهجير لمنطقة الشريعة، وهي إحدى المناطق المغيبة في رواية التهجير والنكبة، آملين أن نعطي بذلك عينة دراسة مختارة يمكن أن تكون ممثلة لما جرى في باقي المناطق المغيبة. 

كانت منطقة الشريعة، الواقعة غربي مدينة بئر السبع وعلى بعد 15 كم إلى الشرق من شاطئ البحر المتوسط، تجمع بعض تجمعات القبائل العربية التي انضوت تحت لواء عشيرة قديرات الصانع، وضمت كلاً من حمائل أبو بدر، أبو سعد، أبو خبيزة، أبو عبيّد، أبو عبلة، أبو مسامح وأبو دحل، وغيرها العديد من الحمائل والبطون والتي كان بعضها قد مر بعملية من التوطين والبناء في أماكن سكن ثابتة منذ أواخر العهد العثماني، واستمرت هذه العملية طيلة فترة الانتداب البريطاني من خلال علاقات تجارية وزراعية وتعليمية طورها سكان المنطقة مع الحواضر المدينية القريبة غزة وبئر السبع والخليل. 

شارك أبناء هذه العشائر في النشاط الوطني الفلسطيني منذ بداياته، وفي ثورة 1936 -1939 كان الشيخ إبراهيم الصانع (من أوائل المتعلمين في المنطقة وخريج استانبول) مضيفاً للثوار ومنظماً لهم. 

وقد روى لي الشيخ حسن إبراهيم الصانع (من مواليد 1931 ) في مقابلة أجريتها معه في الخامس عشر من أيار 2008 بأن "الشيخ إبراهيم عقد وليمة في بيته في نهاية عام 1935 للحاج أمين الحسيني، مفتي فلسطين والديار القدسية ورئيس المجلس الإسلامي الأعلى آنذاك، ودعا إليها كافة مشايخ المنطقة الذين أقسموا أمامه وأمام الحاج أمين على المصحف والسيف بعدم بيع الأرض لليهود. وخوفاً من تزييف ختمه وعقد صفقات مزيفة باسمه وضع الختم على فوهة البندقية وأطلق النار كي يعلم القاصي والداني بأنه لن يوقع على أية صفقة أو وثيقة رسمية بعد ذلك ".

وفي أثناء الثورة تكون في المنطقة فصيل مسلح عمل تحت قيادة الحاج حسن الإفرنجي الذي كان ذا ميول دينية وانتمى في نهاية الأربعينيات لحركة الأخوان المسلمين التي ساهمت بعض فصائلها المسلحة في معركة الدفاع عن بئر السبع والتي انتهت بسقوط المدينة وتهجير أهلها في الأسبوع الأخير من شهر تشرين أول عام 1948. 














وعن تهجير سكان الشريعة/ الزمارة يضيف الحاج حسن: "عند سقوط بئر السبع كنا ما زلنا موجودين في زمارة، وقسم منا كان موجوداً في اللقية، جاء إلينا رجلان يمثلان السلطة الجديدة واشتريا منا الحبوب، تركونا في أماكننا لفترة وجيزة، ولكنهما عادا وطالبانا بالرحيل بحجة قربنا من الحدود المصرية، وما يمكن لذلك أن يسبب من أخطار. بعدها تم تهجيرنا عنوة إلى اللقية، وأثناء عملية التهجير استشهد كل من عبد ربه جمعة الإفرنجي وأبو الوليد الوحيدي كما وأصيب بجراح خليل إبراهيم الصانع، هذا إضافة لسليمان محمد أبو بدر الذي كان من بين الذين استشهدوا مدافعين عن مدينة بئر السبع. كما وقامت السلطات الإسرائيلية،أثناء عملية التهجير، باعتقال كل من محمد إبراهيم الصانع وإبراهيم إسماعيل أبو سامح (أبو جابر).

في ربيع عام 1952 تعرض أبناء العشيرة الذين كانوا قد تجمعوا في اللقية إلى عملية تهجير ثانية، جرى من خلالها تهجيرهم إلى منطقة الرهوة (جنوبي منطقة الخليل) على حدود الضفة الغربية، التي كانت آنذاك تحت السيطرة الأردنية. أثناء عملية التهجير جرى اعتقال مجموعة من الرجال كان منهم : علي أبو عبيد، محمد محمود الجعّار، سعيد عبد الله الصانع وربيع أبو عصيدة وقد تم إيداعهم في سجن بئر السبع المركزي وقد ربطت السلطات أمر إطلاق سراحهم بموافقتهم على التهجير الطوعي ومن وافق على التهجير تم إطلاق سراحه. 

في هذه الفترة قدم الشيخ إبراهيم الصانع التماساً، من خلال المحامي حاييم كازوتس، للمحكمة العليا الإسرائيلية طالباً فيه إلغاء أمر الترحيل، ولكن السلطات لم تنتظر حتى تبت المحكمة بأمر الالتماس، بل قامت بإحضار الشاحنات التي نقلت السكان إلى غزة ومنطقة الرهوة. 

عن عملية التهجير هذه حدثني عليّان محمد إبراهيم الصانع (مواليد 1944 ) في مقابلة أجريتها معه في منتصف أيار 2008، حيث قال: "في البداية جرى حصار تام للسكان شهراً كاملاً دون السماح بإدخال أي طعام أو شراب تحت دعوى مقتل بعض اليهود واتهام أبناء العشيرة بالمشاركة في عمليات التهريب. بعدها جاء الجنود يركبون الشاحنات والجيبات والتنادر وحملوا السكان تحت تهديد العصي وتم إنزالهم في منطقة الرهوة. هناك قمنا ببناء مخيم للاجئين ومكثنا فيه أربعين يوماً. في هذه الأثناء صدر قرار المحكمة العليا القاضي بإلزام الحكومة الإسرائيلية بإرجاعنا إلى اللقية وقد ساعد على ذلك رفض الحكومة الأردنية القاطع لاستقبالنا. قبلت الحكومة الإسرائيلية القرار على مضض ولكنها نفذته بشكل جزئي، حيث لم تقبل إعادتنا إلى اللقية بل قامت بتهجيرنا للمرة الثالثة وهذه المرة إلى منطقة تل عراد القاحلة. تغلب السكان هناك على الظروف الصعبة فحفروا الآبار وأقاموا السدود وزرعوا الفواكه والخضار. أما الأبناء فتعلموا بداية في الكتاب، ثم قام الآباء بإرسالهم للدراسة في مدرسة كفر قاسم في المثلث الجنوبي حيث تولى مختار كفر قاسم آنذاك، المرحوم وديع صرصور، أمر إقامتهم". 

لم تكن الإقامة في تل عراد آخر المطاف في سلسلة تهجير العشيرة، فبعد إقامة هناك، مدتها خمسة وعشرون عاماً، لم تفلح هذه المدة الطويلة بإقناع الحكومة بالاعتراف بهم كنقطة سكنى شرعية بمعنى ربطهم بشرايين الحياة الحديثة وتمتعهم بحقوق مواطنتهم. حيث مارست سلسلة من الضغوطات الهادفة إلى تجميع التجمعات السكانية العربية في النقب عدد محدود من القرى والبلدات بشكل يقلص إلى حد كبير مساحة الأراضي التي بحوزتهم ويقومون باستعمالها منذ مئات السنين. وقد تم التوصل في النهاية إلى تسوية يعود من خلالها أبناء عشيرة القديرات إلى اللقية التي كانوا قد هجروا منها عام 1952
avatar
 
 
ذكر
عدد المساهمات : 1020
نقاط النشاط : 1444
تقييمك : 5
تاريخ التسجيل : 08/06/2015
العمر : 18
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضوhttp://inkor.ibda3.info/

رد: حلقات من دفاتر النكبة

في 17.03.16 21:31
من دفاتر النكبة (3): 
حكاية مثلث الكرمل 





[/td][/tr][/table]




تظهر تسمية المثلث في القاموس الجغرافي - السياسي الفلسطيني في العديد من المناطق والسياقات التاريخية. فالمثلث الكبير هو مثلث المدن جنين – نابلس – طولكرم، وهي تسمية بريطانية أطلقها البريطانيون على هذه المنطقة في فترة الانتداب وقد شاع استعمالها أثناء ثورة 1936 -1939 والتي شكلت هذه المنطقة أهم بؤرها. 

في أثناء نكبة وحرب 1948 دعيت منطقتان باسم "المثلث"؛ الأولى "مثلث الساحل" التي عرفت أيضاً باسم "مثلث الكرمل" وأطلق عليه مصممو الرأي العام اليهودي آنذاك اسم "مثلث الرعب" أو "المثلث الصغير". أما المنطقة الثانية فهي المنطقة التي تم سلخها عن المثلث الكبير وضمها لإسرائيل في شهر أيار 1949 وذلك تنفيذاً لاتفاقية الهدنة في رودس، والتي أبرمت بين إسرائيل والأردن في نيسان 1949، والتسمية هنا تسمية مجازية لأن شكل هذا القطاع لا يمت لشكل المثلث بأية صلة فهو عبارة عن شريط طوله 70 كم وعرضه بالمعدل 5 كم. 

ينصب حديثنا في هذه المقالة حول قصة مثلث الساحل وقصة صموده أمام الهجمات اليهودية المتتالية منذ سقوط حيفا، المدينة الأم، في الثاني والعشرين من نيسان 1948 وحتى الرابع والعشرين من تموز 1948، حيث سقطت قرى هذه المنطقة تحت وطأة القصف الجوي المركّز. 

ضمت هذه المنطقة قرى إجزم وعين غزال وجبع والمزار وعين حوض التي كانت تقع على المنحدرات الجنوبية الغربية لجبال الكرمل ونقطة لقائها مع السهل الساحلي جنوبي حيفا. والمنطقة منطقة إستراتيجية تقع على الطريق الرئيسي الذي ربط حيفا مع منطقتي المركز والجنوب. 

كانت إجزم هي أكبر هذه القرى من حيث عدد السكان والأراضي (سكنها عشية النكبة قرابة 4000 نسمة وكانت مساحة أراضيها قرابة 45000 دونم ) وهي أكثر هذه القرى بعداً عن البحر (5كم ) وقد كانت تقع على هضبة داخلية منبسطة من هضاب الكرمل الغربية. وقد كان لها مركز إداري مؤثر في الفترة العثمانية المتأخرة. هذا مع العلم أنه كان لاجزم بعض الخرب الملحقة بها كخربة الماقورة وخربة الفشة وخربة المنارة وخربة أم الدرج وكان بعضها مأهولاً بالسكان. 

أما عين غزال فقد وقعت إلى الغرب من إجزم مع ميل طفيف نحو الجنوب وقد بلغ عدد سكانها عشية النكبة قرابة 3200 نسمة، ومجموع مساحة أراضيها نحو 23000 دونم. وقعت المزار وعين حوض إلى الشمال من إجزم وقد بلغ عدد سكان الأولى عشية النكبة قرابة 250 نسمة وبلغت مساحة أراضيها قرابة 8000 دونم، في حين بلغ عدد سكان عين حوض قرابة 800 نسمة ومساحة أراضيها 15000 دونم. أما جبع فقد بلغ عدد سكانها 1300 نسمة، في حين بلغت مساحة أراضيها قرابة 7000 دونم. 

بحكم قرب هذه القرى من مدينة حيفا والطرق الرئيسية، فقد ذاقت طعم الحداثة بفترة مبكرة نسبياً (قياساً لباقي مناطق الأرياف الفلسطينية) وعليه فقد كان سكانها على علاقة مع عمليات التحول الاجتماعي والاقتصادي والثقافي وقد برزت فيها بعض الشخصيات البارزة في هذه المجالات في الفترة العثمانية المتأخرة وفترة الانتداب كالشيخ يوسف النبهاني والمحامي معين الماضي من إجزم والكاتب الموسوعي إحسان عباس من عين غزال وغيرهم الكثيرين.

كما وكان لهذه المنطقة نشاط ملحوظ في الكفاح الوطني الفلسطيني في فترة الانتداب خاصة أثناء ثورة 1936 -1939 حيث نشط فيها أكثر من فصيل مسلح ( فصائل أحمد عبد المعطي، أحمد زيدان وعبد القادر أبو حمدة من اجزم، صبري الماضي من المزار، زيدان أبو الهيجا من عين حوض وسليمان الصعبي من عين غزال)، عملت هذه الفصائل جميعها في منطقة القيادة التابعة للشيخ عطية عوض من بلد الشيخ وبعده الشيخ يوسف أبو درة من السيلة الحارثية. وقد قدمت المنطقة ما يقارب الثلاثين شهيداً أثناء الثورة. 

بعد صدور قرار التقسيم في التاسع والعشرين من تشرين الثاني 1947 وبدء الصدامات المسلحة بين العرب واليهود، تشكلت في قرى المنطقة فرق للحراسة والمقاومة وقد كانت نواتها من قدماء فصائل ثورة 1936 -1939 ومن أعضاء النوادي التابعة لمنظمة النجادة التي تلقى أعضاؤها التدريبات العسكرية الأولية، كما وتواجدت هناك بعض المفارز التابعة لجيش الإنقاذ من المتطوعين السوريين والعراقيين والفلسطينيين. 

تعرضت قرى المنطقة لهجمات يهودية محدودة في شباط وآذار 1948، وقد أخذت هذه الهجمات بالازدياد بعد سقوط حيفا بغرض تأمين المواصلات اليهودية على طريق حيفا – يافا القديم. على اثر ذلك قام المسلحون في هذه القرى بضرب المواصلات اليهودية على هذا الطريق ومن ثم قطع المرور نهائياً في أيار 1948. حاولت القوات الإسرائيلية فتح الشارع أكثر من مرة، بل أنها حاولت كسر الروح المعنوية لمقاتلي القرى من خلال محاصرتها وقصفها بشكل متقطع، ثم تطورت هذه الهجومات بعد سقوط قرية طيرة الكرمل المجاورة في السادس عشر من تموز 1948 وتضييق الخناق على تلك القرى.

وقد أفشل المقاومون هجومين بريين محدودين في الثامن والتاسع عشر من تموز، ولكن ذلك لم يمنع القوات الإسرائيلية من معاودة الكرّة في الفترة الواقعة بين الرابع والعشرين والسادس والعشرين من تموز، وهذه المرة بمساندة سلاح الجو الذي بدأ يمهد للهجوم بقصف تلك القرى منذ الحادي والعشرين من تموز، وقد نجح بدك مواقع المدافعين دكاً، ولم يترك لهم هذه المرة أيه فرصة لصد الهجوم. 

وقع الهجوم الإسرائيلي في فترة الهدنة الثانية التي تم التوصل إليها بوساطة دولية وقد أطلق عليه اسم "عملية شوطير" أي "عملية الشرطي" ( قد يكون أصل التسمية جاء ليصف هدف القوات الإسرائيلية المعلن، كما رددته وسائل الإعلام الإسرائيلية في حينه، وهو عقاب سكان القرى تلك بسبب قطع الشارع الرئيسي وقنص المسافرين اليهود). 

وصف عبد الله التل، قائد الجيش الأردني في قطاع القدس، في كتابه "كارثة فلسطين " (ص 300 ) ما وقع في القرى تلك قائلاً: "وقد مهد اليهود لاعتداءاتهم على هذه القرى بأن أخذوا يذيعون أنها تقوم بأعمال تخريبية في إسرائيل وتهاجم طرق مواصلاتهم. وفي 1948. 7. 21 بدأت الطائرات الإسرائيلية تقصف هذه القرى الآمنة التي اطمأنت إلى الهدنة. وقد استمر قصف القوات اليهودية لها عدة أيام زحف بعدها الجيش اليهودي فاحتل هذه القرى بعدما انسحب منها أغلب أهلها وأسر الباقون وقتل منهم ما يزيد على مائة، وأزالوا جبع وعين غزال من الوجود. وقد ادعى اليهود أنهم إنما يقومون بأعمال بوليسية لحماية دولتهم، ولم تنفع شكوى العرب، ولا تحقيقات هيئة الرقابة وتقاريرهم". 

أما المؤرخ الإسرائيلي بيني موريس فيصف ما حصل في كتابه "نشوء قضية اللاجئين الفلسطينيين" (ص 285 في النص العبري) قائلاً: " كانت العملية الكبرى ]في فترة الهدنة[ تلك التي هاجمت فيها قوات من ألوية ألكسندروني، كرميلي وجولاني في الرابع والعشرين والسادس والعشرين من تموز المنطقة المسماة "المثلث الصغير" في المنحدرات الغربية للكرمل، وفيه القرى الكبيرة الثلاث جبع، إجزم وعين غزال. في هذه القرى التي أشرفت على مسافة من الجزء الشمالي لشارع تل أبيب – حيفا. 

وحسب التقدير الإسرائيلي، تواجدت في هذه القرى قوات غير نظامية، في حين نجح القناصون من هذه القرى بتشويش حركة المواصلات اليهودية على هذا الشارع منذ بداية الحرب.... في الثامن عشر من تموز قتل مسافران يهوديان بالقرب من جبع، بعد هذه الحادثة تم تحذير السكان بأن يستسلموا أو يخلوا القرى، وقد رفضوا الاقتراحين كما يبدو تحت تأثير قوات غير نظامية كانت متواجدة هناك. 

في الثامن عشر والتاسع عشر من تموز قام الجيش الإسرائيلي بهجوم أول على القرى وقد تم إفشال هذا الهجوم. بعد ذلك بدأت سلسلة من القصف المتقطع من البر ومن الجو. في الرابع والعشرين من نفس الشهر كان الهجوم النهائي الذي تمت تسميته "شوطير" قبل ذلك هرب معظم السكان، وغداة بدء الهجوم قصفت القرى بنيران شديدة من المدافع والطائرات (لقد كذب موشيه شرتوك وزير الخارجية عندما قال للوسيط الدولي في الثامن والعشرين من أيلول بأنه لم يتم استعمال الطائرات في الهجوم ). في موجات الهجوم المختلفة على تلك القرى قتل العشرات من المدنيين والمسلحين وبعض اللاجئين الذين جاؤوا إليها من قرى أخرى".

لقد واكبت عملية احتلال هذه القرى وتهجير سكانها اتهامات وشكاوى من قبل مهجري القرى أنفسهم وممثلي الجامعة العربية حول أعمال قتل وحرق لجثث ما يقارب 30 شخصاً (معظمهم لاجئون من قرية الطيرة ) قامت بها القوات المهاجمة خاصة في قرية عين غزال. وقد فحص الوسيط الدولي هذه الشكاوى وكتب في تقرير قدمه لمجلس الأمن أن الفحص الذي قام به رجاله لم يكن بوسعه أن يثبت حصول تلك التجاوزات. كما جاء في ذلك التقرير: " لم يكن للهجوم الإسرائيلي ما يبرره، خاصة أنه كان هناك اقتراح من سكان القرى للتفاوض. ولكن القوات الإسرائيلية أجبرت السكان على ترك قراهم".

كما ونوه التقرير إلى الهدم المبرمج لجبع وعين غزال، ودعا إسرائيل إلى إعادة السكان إلى بيوتهم وتعويض كل أولئك الذين تضررت بيوتهم. لم تفح هذه الأقوال بإقناع السلطات الإسرائيلية بإرجاع اللاجئين إلى قراهم، بل إنها بادرت إلى طرد القليلين من سكان إجزم الذين بقوا في بيوتهم حتى عام 1951، هذا مع العلم أنها لم تنف قضية حرق الجثث في عين غزال، حيث قال ممثل إسرائيل في الأمم المتحدة " إن الجيش الإسرائيلي قام بحرق 25 -30 جثة وجدت في عين غزال في الخامس والعشرين من تموز وهي في وضع تعفن متقدم ". 

لقد أكدت روايات شفوية جمعتها من بعض سكان هذه القرى أن العديد من المدنيين والمدافعين ماتوا حرقاً تحت وطأة القصف الجوي الذي تعرضت له هذه القرى، وقد كانوا بلا غطاء جوي يمنع عنهم حمم الطائرات المهاجمة. 

لجأ الكثيرون من سكان هذه القرى إلى العراق ( كان ذلك بسبب العلاقات الخاصة التي ربطت السكان ببعض مفارز من المتطوعين العراقيين الذين شاركوا بالدفاع عن تلك القرى أو ساهموا بجلب المؤن لها، أثناء فترة الحصار، من وادي عارة حيث كانت تعسكر بعض وحدات الجيش العراقي). كما وتتواجد أعداد منهم في مخيمات اللجوء في الضفة الغربية والأردن ولبنان وبعض القرى العربية داخل الخط الأخضر
avatar
 
 
ذكر
عدد المساهمات : 1020
نقاط النشاط : 1444
تقييمك : 5
تاريخ التسجيل : 08/06/2015
العمر : 18
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضوhttp://inkor.ibda3.info/

رد: حلقات من دفاتر النكبة

في 17.03.16 21:32
من دفاتر النكبة (4): 
معركتا الكابري وقصة تهجيرها


الكابري قرية عربية من قرى الجليل كانت تتبع قضاء عكا وتبعد عنها حوالي 12كم باتجاه الشرق. بلغ عدد سكانها عشية النكبة حوالي 1600 نسمة ومساحة أراضيها قرابة 38،000 دونم (غير المشاع والمراعي ). كانت هذه القرية نشيطة جداً في ثورة 1936 -1939 حيث كانت إحدى المحطات التي لجأت إليها فصائل الثورة التابعة لقائد المنطقة خليل العيسى ( أبو إبراهيم الكبير ).

تميزت الكابري بجمال مبانيها وسعتها خاصة مباني كبار الملاكين أمثال فارس أفندي سرحان. في أراضي القرية تواجدت عيون الماء التي زودت عكا بالمياه خاصة عين الباشا ( تم تسميتها بعد عام 1948 "عين هشيراه" أي عين القافلة والإشارة هنا للقافلة المتوجهة إلى مستوطنة يحيعام والتي تم إيقافها في قرية الكابري ) وعين العسل ( وتدعى بالعبرية "عين تسوف") التي كانت مياهها تنقل من خلال قناة محمولة على قناطر مازالت أجزاء ومقاطع منها ماثلة للعيان شاهدة على مجد غابر. 

وبحكم تحكمها بهذا المصدر الهام الذي كان يرفد عاصمة القضاء بالمياه فقد أصبحت الكابري موقعاً استراتيجياً تتوفر للقائمين فيه أو المسيطرين عليه مصادر القوة والنفوذ. وقد وصف دوف يرمياهو، أحد الضباط اليهود الذين عملوا في المنطقة، قرية الكابري، في مقابلة أجريت معه في آب 1996، قائلاً : " كانت الكابري قرية كبيرة، مبانيها فخمة سكنها أناس أغنياء، بنوا قصوراً جميلة". 




معركة الكابري الأولى 
ترتبط قصة معركة الكابري الأولى (27/03/1948) بما جرى في حيفا في السابع عشر من نفس الشهر، حيث قامت قوات "الهاجاناه" المستحكمة في قريات "موتسكين" بمهاجمة قافلة عربية محملة بالسلاح كانت قادمة من لبنان يقودها الضابط الأردني محمد الحنيطي، قائد الحامية العسكرية العربية في حيفا، ويرافقه الشيخ نمر الخطيب أحد أبرز القيادات العربية في حيفا آنذاك. 

كانت القافلة محملة بكميات كبيرة من الذخيرة والمتفجرات والعتاد، وقد نجح الكمين اليهودي بتفجير الشاحنات المحملة بالذخيرة وقتل 15 رجلا من رجالها بينهم الشهيد محمد الحنيطي، في حين أصيب الشيخ نمر بإصابات خطيرة نقل على أثرها إلى دمشق لتلقي العلاج ولم تطأ قدماه بعد ذلك أرض حيفا. بعد هذه الحادثة قامت حامية عكا العربية بقطع الطريق بين حيفا والجليل الغربي الشيء الذي عزل المستوطنات اليهودية في الشريط الساحلي الشمالي ومنطقة الجليل الأعلى. 

في الرابع والعشرين من آذار 1948 قام ضابط بريطاني من القوات البريطانية التي كانت ما زالت مرابطة في حيفا بالتوسط بين قيادة "الهاجاناه" وقائد حامية عكا العربية، وأدت هذه الوساطة إلى اتفاق لعدم التعرض للقوافل المحملة بالمؤن للمستوطنات المعزولة. وقد نجح هذا الاتفاق بإيصال القوافل المحملة إلى نهاريا، متسوبا، حنيتا وأيلون، في حين لم تفلح أطراف الاتفاق بحل قضية "يحيعام".

كان كيبوتس "يحيعام"، التابع لحركة "هشومير هتسعير"، قد أقيم في قلعة جدين وما حولها في تشرين الثاني عام 1946 وقد بلغ عدد سكانه في آذار 1948 ستين نسمة. لقد كان على الراغب بالوصول إلى هذا الكيبوتس أن يمر من جانب قرى عربية كقرى النهر والكابري وترشيحا والتي تواجدت فيها بعض وحدات من المتطوعين العرب التابعة لجيش الإنقاذ وبعض الفصائل المحلية المسلحة. 

في السادس والعشرين من آذار خرجت قافلة يهودية محملة بالمؤن والذخائر العسكرية من حيفا إلى نهريا ومتسوبا وأيلون وقد قامت قوات من لواء "كرميلي" بمرافقة القافلة التي وصلت إلى هدفها دون أية عقبات. شجع ذلك قيادة "الهاجاناه" على التخطيط لإرسال قافلة مماثلة إلى "يحيعام"، هذا على الرغم من وصول إخبارية لجهاز "الشاي" في حيفا تفيد بوجود نوايا لدى أديب الشيشكلي ( قائد وحدات جيش الإنقاذ في المنطقة آنذاك والرئيس السوري فيما بعد في السنوات 1949 -1955 ) لمهاجمة نهاريا و"يحيعام" ومستوطنات يهودية أخرى. 

انطلقت القافلة اليهودية بقيادة بن عامي فيختر في صباح يوم السابع والعشرين من آذار من "قريات حاييم" إلى نهريا ومن هناك أكملت طريقها في الظهيرة إلى "يحيعام". كانت القافلة مكونة من حافلة ومجموعة من الشاحنات المدرعة يحرسها تسعون جندياً كانوا يتبعون الفرقة 21 من لواء "كرميلي". نصبت القوات العربية لهذه القافلة كميناً استحكم رجاله لدى التواء الطريق بالقرب من مقبرة قرية الكابري. سمح رجال الكمين للسيارة الأولى بالمرور (أكملت طريقها ووصلت إلى يحيعام)، في حين أمطروا رفيقاتها بالحمم من رصاص وقنابل ومتفجرات. 

كانت الإصابات التي حلت بالشاحنات والمدرعات كافية لإيقاف القافلة، حيث وقع العديد من الجنود اليهود بين قتيل وجريح، وقد تحصن من تبقى منهم حيّاً في المدرعات في حين نجحت المدرعة الأخيرة في القافلة بالالتفاف والعودة باتجاه نهريا، ولكنها توقفت بعد مهاجمتها مجدداً من قبل فصيل عربي مسلح في قرية النهر.

بقيت المعركة متواصلة حتى حلول الظلام حيث استطاع بعض من بقي على قيد الحياة من رجال القافلة بالهرب تحت جنح الظلام تاركين وراءهم المعدات والمؤن والشاحنات. كانت حصيلة هذه المعركة مقتل 47 من القوات المرافقة للقافلة والاستيلاء على القافلة وما كان فيها من مؤن وذخائر. 




معركة الكابري الثانية: التهجير 
كانت نتائج معركة الكابري الأولى مؤلمة جداً للجانب اليهودي، فبالإضافة للخسائر البشرية الفادحة، لم تحقق المبادرة أهدافها بالوصول إلى المستوطنات المعزولة ، بل ازداد وضع تلك المستوطنات سوءاً الشيء الذي جعل قادة الدولة الوليدة في منتصف أيار/مايو بالتفكير ملياً بتغيير الوضع الذي آلت إليه تلك المستوطنات. وعليه فقد تم وضع خطة لاحتلال وتهجير القرى العربية المسيطرة على مفارق الطرق المؤدية للمستوطنات اليهودية في المنطقة وقد عرفت هذه الخطة باسم "بن عامي 2 " تبدو معالم هذه الخطة واضحة في الأمر الميداني الذي تم توجيهه للقوات العاملة في المنطقة وقد جاء في بند المهام :

" 1. فتح الطريق الموصلة ليحيعام وتمرير المؤن إلى هناك لمدة ثلاثة أشهر.
2. الهجوم بقصد احتلال وقتل الرجال وهدم البيوت وحرقها في قرى الكابري، أم الفرج والنهر".

إن تسمية العملية باسم "بن عامي" (قائد القافلة في آذار والذي كان بين القتلى في المعركة ) والحديث عن قتل الرجال وهدم المنازل وحرقها واستخدام جنود الوحدة نفسها التي شاركت في المعركة الأولى (الفرقة 21 من لواء كرميلي) يمكن تفسيره بالرغبة في الانتقام من سكان تلك القرى وخاصة قرية الكابري بسبب الفشل الذريع الذي منيت به تلك الفرقة في معركة السابع والعشرين من آذار، والرغبة بالرد على ذلك الفشل وبكل ثمن.

بعد سقوط عكا والقرى المحيطة بها ( الزيب، المنشية، الكويكات والبصة ) في السادس والسابع عشر من أيار 1948، بدأت معنويات المدافعين عن الكابري بالتراجع، خاصة وأن وحدات المتطوعين العرب كانت قد غادرت القرية خاصة بعد القصف المركز الذي كانت قد تعرضت له القرية في العشرين من أيار 1948.

في الحادي والعشرين من الشهر ذاته دخلت القوات الإسرائيلية القرية من جهة الغرب وكان معظم سكانها قد اضطروا لمغادرتها تحت وطأة القصف في اليوم السابق وخاصة إلى منطقة ترشيحا. عند احتلال القرية لم تكن هناك مقاومة كما قال دوف يرميا، قائد إحدى الوحدات التي دخلت القرية، في المقابلة المشار إليها أعلاه: " جئنا لاحتلال القرية ولم يكن واضحاً لنا إذا كانت هناك قوات مقاومة أم لا، هذا مع العلم أنه وصلت للمخابرات العسكرية معلومات عن تركهم القرية. تقدمنا ولم تطلق أية طلقة، لم يبق إلا القليل من سكان القرية، ومن الذين بقوا أخذ أحد الضباط سبعة أو ثمانية شباب لسد الحفر التي كانت في الشارع بقصد إعاقة تقدم قواتنا، لقد رأيت بأم عيني كيف أوقفهم في صف وقام بحصدهم. بعضهم قتل في الحال والبعض الآخر نجحوا بالهرب. كان هذا العمل الأول، وبعد أن أكملنا الاحتلال (كانت البداية في الصباح وعند الظهر انتهى كل شيء) بدأوا في اليوم ذاته بهدم القرية. نبعت عملية الهدم من دافع الانتقام بسبب ما جرى للقافلة ".

المعلومات الواردة في شهادة يرميا أكدها صادوق إيشيل في كتابه (ص 173 ) حول أداء لواء كرميلي في الحرب وأكد أن معظم محتويات سيارات " قافلة آذار" تم العثور عليها في بيوت الكابري واسترجاعها
avatar
 
 
ذكر
عدد المساهمات : 1020
نقاط النشاط : 1444
تقييمك : 5
تاريخ التسجيل : 08/06/2015
العمر : 18
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضوhttp://inkor.ibda3.info/

رد: حلقات من دفاتر النكبة

في 17.03.16 21:33
من دفاتر النكبة (5):
مقدمات سقوط حيفا: كمين قريات موتسكين واستشهاد محمد الحنيطي وسرور برهم../
كان لسقوط مدينة حيفا العربية، في الثاني والعشرين من نيسان 1948، بأيدي قوات \\"الهاجاناة\\" اليهودية أبعد الأثر على تردي معنويات العرب في فلسطين قاطبة، وفي قضاء حيفا وما جاوره من أقضية فلسطين الانتدابية. 

ينطبع شهر نيسان عام 1948 في الذاكرة الفلسطينية شهراً دامياً تراجعت فيه معنويات الشعب الفلسطيني إلى حد كبير، وبالمقابل قويت شوكة القوات اليهودية التي أخذت فيه زمام المبادرة، وبدأت بمهاجمة القرى والمدن العربية وتهجير أهلها، خاصة في المناطق التي كانت مخصصة للدولة اليهودية حسب قرار التقسيم. 

في بداية نيسان، وفي السادس حتى الثامن منه على وجه التحديد، فشل الهجوم الذي كانت قد شننته قوات جيش الإنقاذ بقيادة فوزي القاوقجي على كيبوتس \\"مشمار هعيمق\\". وقد كانت النتيجة المباشرة لهذا الفشل هجوم يهودي مضاد احتلت من خلاله قرى قيري وأبو شوشة وأبو زريق والغبيات والنغنغية وهجر أهلها، في حين تم عزل قرى أخرى كثيرة في منطقتي بلاد الروحة والكرمل الجنوبي. وفي الثامن والتاسع من الشهر ذاته توالت الضربات القاصمة في استشهاد عبد القادر الحسيني، قائد جيش الجهاد المقدس وسقوط القسطل في الثامن ومذبحة دير ياسين التي صاحبت سقوط تلك القرية وجاراتها غداة ذلك اليوم. 

هذه الأحداث وغيرها زعزعت بشكل كبير معنويات المدافعين عن مدينة حيفا وأعضاء اللجنة القومية فيها، وقد تكون قد ساهمت في انهيار المقاومة في العشرين منم نيسان ومن ثم سقوط المدينة النهائي في الثاني والعشرين بعد معارك دامية في بعض المواقع خاصة في محيط مقر منظمة النجادة ومسجد الشيخ عبد الله. 

ولكن الحدث الذي سبق ذلك كله وقضى بشكل شبه نهائي على أمل الحيفاويين بالدفاع عن مدينتهم كان، بلا شك، سقوط قافلة الذخيرة والعتاد التي قادها الضابط الأردني الشهيد محمد الحنيطي، قائد حامية حيفا، في كمين للقوات اليهودية على مشارف حيفا الشمالية قرب مستوطنة \\"قريات موتسكين\\"، ذلك الكمين الذي استشهد فيه بالإضافة للحنيطي المجاهد سرور برهم، قائد جمعية الكف الأسود في حيفا وأحد تلامذة الشيخ عز الدين القسام البارزين. كما وأصيب في الكمين ذاته الشيخ محمد نمر الخطيب رئيس جمعية الاعتصام الحيفاوية وأحد أهم أعضاء اللجنة القومية في حيفا. 

وعن طبيعة المهمة التي قام بها الحنيطي في سوريا وقصة القافلة يقول الزعيم الحيفاوي رشيد الحاج إبراهيم في مذكراته (ص 89 ): \\" بيوم 11/03/1948 وبناء على مخابرات سابقة وتعيين موعد لقاء مع اللجنة العسكرية أرسلت إلى دمشق قائد حاميتنا العسكرية محمد الحنيطي وكان يرافقه أربعة من الحرس في سيارة خاصة، كان سفرهم عن طريق الناقورة –بيروت. ولدى وصوله وإطلاعه المسؤولين في اللجنة على حقيقة الوضع وما تحتاجه الحامية من أنواع الأسلحة لدرء الأخطار وزد منها بكميات لا بأس بها ثم شحنها في سيارتي كميون وكانت تحتوي على السلاح والذخائر والألغام وكميات من مدافع وقنابل الهاون والهوشكس. وفي صباح يوم 17/03/1948 واصلت هذه القافلة مسيرها من بيروت إلى حيفا مارة بمدينة صيدا، وكانت مكونة من سيارتي كميون وسيارة خاصة تقل القائد ورفاقه الأربعة، وفي صيدا انضم إليها أربعة من العرب كان منهم الشاب الوطني المجاهد أحمد محمود عمورة وثلاثة آخرون ومعهم خمس سيرات وخمسة سائقين\\".
قطعت القافلة الحدود اللبنانية وكان قد انضم لها اثنا عشر مقاتلاً من حامية حيفا، بحيث أصبح عدد جميع أفرادها 24 شخصاً. في صباح اليوم ذاته ومرت من عكا ولم تتوقف هناك، رغم نصائح البعض للقائد الحنيطي بالتوقف في عكا طلباً للراحة، وبغرض فحص الطريق إلى حيفا بشكل يسهل وصولها بأمان. لم يستمع الحنيطي لنصائح مساعده سرور برهم ولا لإلحاح القادة العكيين ومطالبتهم إياه بالمبيت في عكا. بعد مرور القافلة من عكا انضم لها سبعة حراس جدد كانوا قد بعثوا من قبل اللجنة القومية في حيفا ليصبح عدد المسافرين 31 شخصاً.

عند مرور القافلة في مفرق قريات موتسكين اعترضتها سيارات يهودية أدت إلى توقفها ووقوعها هدفاً لكمين محكم التدبير أمطر القافلة بالرصاص وأدى إلى استشهاد خمسة عشر من مرافقيها، بمن فيهم القائد محمد الحنيطي وسرور برهم وفخري البرد وإصابة الشيخ نمر الخطيب بجراح بالغة نقل على إثرها لدمشق للعلاج ولم يعد من يومها إلى حيفا. انفجرت إحدى الشاحنتين الكبيرتين بما فيها من ذخيرة وأحدث انفجارها دوياً هائلاً في حين أفلتت الثانية وسيارة خصوصية أخرى وعادتا إلى عكا. 

وتفيد أغلب الروايات أن الذي قام بتفجير الشاحنة كان الشهيد سرور برهم الذي كان قد رأى استشهاد القائد وصحبة ففضل أن يفجر نفسه والشاحنة كي لا تقع غنيمة بيد القوات اليهودية. والشهيد سرور برهم من مواليد 1903 وقد كان قد انضم للفصائل المسلحة التي أقامها الشيخ عز الدين القسام في مطلع الثلاثينات في منطقة حيفا والشمال، وفي أثناء ثورة 1936 – 1939 كان مسؤولاً عن تزويد فصائل الثورة بالمؤن والذخيرة وتزعم تنظيم الكف الأسود الذي لاحق سماسرة الأراضي والعملاء. 

أما الشهيد محمد حمد الحنيطي فهو أردني الأصل من مواليد 1913 تطوع لنجدة الفلسطينيين عند بدء الصدامات بين العرب واليهود على اثر قرار التقسيم عام 1947. وقد عين قائدا لحامية حيفا العسكرية في شهر كانون الثاني 1948 وقد شهد له كل من عرفه بالحمية الوطنية والقومية وحسن الخلق والاستقامة وقد جرح في ذراعه قبل سفره إلى دمشق وعولج في مستشفى الأمين في حيفا. في الثامن عشر من آذار نقا جثمانه إلى الأردن ليوارى الثرى هناك. 

والشيخ محمد نمر الخطيب، وهو من مواليد 1905، انتمى هو الآخر لجماعة الشيخ القسام وشارك في فعاليات الخلايا السرية المسلحة التي أقامها لمقاومة الانتداب البريطاني والنشاط الصهيوني، أثناء ثورة 1936 -1939 شارك في فعاليات لوجستية داعمة للثورة وسجن قرابة السنة في سجن المزرعة. وفي الأربعينات كان من مؤسسي جمعيات إسلامية في حيفا، منها جمعيتا الاعتصام وفتيان محمد، كما كان مسؤولا عن لجنة مقاطعة الفعاليات والبضائع اليهودية في حيفا. بعد إصابته ورحلة استشفائه إلى دمشق كتب كتاباً عن النكبة ونشره عام 1951 وبعده انتقل للمملكة العربية السعودية حيث تدرج في مناصب دينية متعددة وأصبح أحد كبار علماء المدينة المنورة. في عام 2005 بلغ عن حفل تكريم أقيم له في المدينة المنورة بمناسبة بلوغه المائة عام. 

بمغادرة هؤلاء الثلاثة ساحة الدفاع عن حيفا، فقدت المدينة وحاميتها الكثير من الخبرة والقدرة على التنظيم وبث الحماسة، ورغم محاولة رشيد الحاج الإبراهيم، الزعيم السياسي الأبرز في حيفا، التقليل من وقع كارثة القافلة على معنويات المقاتلين العرب في حيفا، إلا أننا نستطيع أن نقول أن هذا الحدث (وأحداث نيسان اللاحقة التي ذكرناها أعلاه ) كانت بمثابة البداية لخلخلة القدرات العسكرية وآمال الصمود لحامية حيفا. 

المصادر اليهودية تذكر هذا الحدث كنقطة تحول قادت في النهاية لاحتلال الأحياء العربية. ولعل العبرة مما حدث في حيفا تكمن فيما رواه الأخوان جون ودافيد قمحي في كتابهما \\"من جانبي التلة\\" حول الطريقة التي حصلت فيها \\"الهاجاناه\\" في حيفا لخبر وصول القافلة وتحركاتها منذ قطعها الحدود اللبنانية حيث قالا: \\"كان للهاجاناه في حيفا طرق خاصة بها للحصول على المعلومات، حيث اندس أحد عملائها في الهيئة التي أدارت السياسة العربية في المدينة. بهذا الشكل نجحت بالإمساك، مقابل ثمن بلغ خمسين جنيهاً لكل قافلة، ليس اقل من تسع قوافل من مجموع إحدى عشرة قافلة نقلت العتاد والسلاح للعرب في حيفا
avatar
 
 
ذكر
عدد المساهمات : 1020
نقاط النشاط : 1444
تقييمك : 5
تاريخ التسجيل : 08/06/2015
العمر : 18
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضوhttp://inkor.ibda3.info/

رد: حلقات من دفاتر النكبة

في 17.03.16 21:33
من دفاتر النكبة (6):
حكاية طيرة بني صعب ومعارك عام 1948
طيرة بني صعب هي واحدة من قرى فلسطينية خمس يحملن هذا الاسم ( الأخريات طيرة الكرمل، طيرة دندن قضاء الرملة، طيرة بيسان وطيرة رام الله ) ومعناها الحصن أو القلعة المشرفة. 

كانت الطيرة تتبع في عهد الانتداب البريطاني قضاء طولكرم وقد عدت جزءاً من ناحية قرى الصعبية الواقعة جنوبي طولكرم وقد جاء جزء كبير من سكانها من قرية باقة الحطب في الفترة المملوكية المتأخرة وفي العهد العثماني. 

منذ بداية عهد الانتداب شارك أبناء الطيرة في الحركة الوطنية الفلسطينية، ففي عام 1921 قاد عبد المنان الشيخ نجيب عبد الحي فصيلاً من شباب الطيرة شاركوا في الانتفاضة التي قادها الشيخ شاكر أبو كشك، والتي انطلقت شرارتها من قرية تبصّر (خربة عزون). وفي ثورة 1936 – 1939 كانت الطيرة من أوائل القرى الفلسطينية التي تشكل فيها فصيل مسلح، وكانت مقراً وملجأ للثوار خاصة الفصائل التابعة للقائدين عبد الرحيم الحاج محمد وعارف عبد الرازق. وقد استشهد من سكان الطيرة أثناء الثورة ونتيجة للتنكيل البريطاني بالسكان والثوار على حد سواء، كل من: حسين مصطفى الجمال، سعيد سلطاني ومحمد أبو عزيز. 

مع بداية المناوشات في نهاية عام 1947 تم تشكيل لجنة قومية تألفت من حسن العبد الله ورفيق النجيب وعبد الرؤوف سمارة. وكانت مسؤولة عن تنظيم الدفاع والحراسة عن الطيرة. واستعانوا بقدامى ثورة 1936 -1939 وأعضاء المنظمات الشبابية شبه العسكرية النجادة والفتوة والتي كان لكليهما فروع في الطيرة. وبعد قدوم جيش الإنقاذ في شباط 1948 تولى ضباط هذا الجيش الأمور الأمنية في القرية.

وقام قائد وحدات المتطوعين الضابط العراقي صادق شنشل (أصبح رئيساً لأركان الجيش العراقي فيما بعد ) ببناء خط من نقاط الحراسة المشرفة، وعرفت كل نقطة من هذه النقاط باسم "الرابية " أو " الطابة "، وتم بعث مجموعة من شباب الطيرة بلغ عددهم قرابة 30 شاباً ممن تم تجنيدهم لوحدات جيش الإنقاذ إلى معسكر التدريب في قطنة في سورية. وعن ذلك يقول أحد هؤلاء وهو خالد عبد الرحيم خاصكية ( من مواليد 1927 ) في مقابلة أجريناها معه في نيسان 2004: " في البداية جمعونا في مخيم نور شمس بجانب طولكرم وبعدها بعثونا لمركز التدريب في قطنة، وبعدها تم توزيعنا على مناطق مختلفة. في البداية كنت أنا في قرية السجرة وبعدها انتقلت إلى قلنسوة ومن هناك إلى الطيرة واشتركت في معركة الطيرة الأولى المعروفة بمعركة يوم الخميس وقد وقعت في 1948. 5. 13 ". 

وعن قضية التنظيم والواجبات الملقاة على المتطوعين يقول الراوي نفسه: " كان في الطيرة من 10 -15 طابة وعن كل طابة كان مسؤول ضابط ومعه من 8-10 جنود يتناوبون على الحراسة والدورية. كل شيء كان يسير حسب النظام، وكنا نتقاضى مرتبات من الجيش العراقي لكل متطوع لباس عسكري ومرتب بلغ عشر ليرات فلسطينية في الشهر. الضابط المسؤول عن الطابة التي حرست فيها كان عراقي اسمه مجيد". 

خاضت الطيرة أربع معارك دامية في الفترة الواقعة من أيار 1948 وحتى تسليمها لإسرائيل، تبعاً لاتفاقية الهدنة مع الأردن، في أيار 1949. وقعت المعركة الأولى في الثالث عشر من أيار وقد كانت قوات "الهاجاناه" هي التي بادرت لها حين قامت فرقة مسلحة تابعة لها بمهاجمة الطيرة من الغرب، حيث تواجدت مستوطنة كفار "هيس" والتي تبادلت النيران مع الطيرة على فترات متقطعة منذ كانون الأول 1948.

في وثيقة وجدناها في أرشيف "الهاجاناه" تم وصف المعركة بشكل تفصيلي من خلال تقرير كتبه ضابط الاستخبارات التابع للوحدة المهاجمة حيث قال: "كانت مهمة العملية إزعاج الطيرة من جهة كفار "هيس". وقد بدأت تمام الساعة الحادية عشرة صباحاً حيث تم في البداية الاستيلاء على بعض النقاط المشرفة والواقعة جنوبي كفار هيس، وعندما لم نجد أية مقاومة عربية توجهنا صوب الطيرة. بعد مسيرة قرابة 200 وقعت قواتنا في كمين عربي جدي حيث فتحت علينا النيران من الأسلحة الخفيفة والأوتوماتيكية، قتل البعض على الفور في حين جرح عدد كبير من رجالنا. أدخلت هذه الوقائع قواتنا إلى حالة من الهلع، وعندما شرعت هذه القوات بالانسحاب المنظم لم يكن ذلك بمتناول اليد بسبب ازدياد النيران العربية قوة، الشيء الذي جعل المقاتلين يتشتتون ويهربون حيث قام بعضهم برمي سلاحه وهو يلوذ بالفرار. قسم كبير من رجالنا لم يستطع التخلص من قبضة العدو وبقي في ميدان المعركة جرحى وقتلى".

كانت حصيلة المعركة 20 قتيلاً من المهاجمين وقرابة الثلاثين جريحاً وأربعة من المفقودين الذين لم تعرف آثارهم حتى يومنا هذا. في حين كانت خسارة الطرف العربي أربعة من الشهداء (محمد الطه، عبد الحافظ أسعد، أبو عثمان من مسكة ومحمد الحموي من المتطوعين السوريين ) وسبعة من الجرحى. 

تجاهلت المصادر اليهودية هذه المعركة إلى حد كبير. وفي مقابلة أجراها جيورا إيلون مع قائد العملية ميخائيل شابيط ( نشرها في ملحق يديعوت أحرونوت في منطقة الشارون، 26/07/1996 قال الأخير محاولاً تعليل الفشل: "عشية يوم الثاني عشر من أيار 1948، وفي حرش في مركز كفار هيس، تم تجميع 120 مقاتلا، إذا كان بالإمكان تسمية هؤلاء الشبيبة قليلي التجربة باسم مقاتلين، فقد كان قسم منهم طلاباً في مدرسة مقفيه يسرائيل وقد توقف تعليمهم بسب الهجوم العربي المتوقع. لم تكن المشاعر ثقيلة قبل المعركة بل على العكس من ذلك كانت هناك فرحة وترددت الأقوال في كفارهيس حول عملية احتلال الطيرة المنتظرة. يعقوب بري قائد فرقة عين فيرد ذهب إلى البيت لإحضار بتيفون "كي يحتفل في الطيرة المحتلة". 

جرت المعركة الثانية في الرابع عشر من أيار حين تمت مهاجمة الطيرة على محورين واحد من جهة "رمات هكوبيش" والثاني من جهة كفار "هيس"، وقد كان الهجوم الأول تمويهياً قصد إشغال محاربي الطيرة ليتسنى للمهاجمين من كفار هيس سحب جثث القتلى ومن تبقى من الجرحى على قيد الحياة من معارك اليوم السابق. 

صمد مدافعو الطيرة ولكن القوات المهاجمة التي كانت هذه المرة مدعومة بقوات من لواء "جبعاتي" استطاعت الوصول إلى مشارف البيوت خاصة من المحور الغربي. وقد أنقذ الموقف وصول نجدات من طولكرم وقرى محيطها ونجدة كبيرة من قرية سيلة الظهر ساهمت في صد الهجوم بعد ست ساعات من القتال المتواصل الذي وصل في بعض الأماكن إلى الالتحام بالسلاح الأبيض. استشهد في هذه المعركة أربعة من المقاتلين العرب وأصيب العشرات الذين نقلوا إلى المشافي في طولكرم ونابلس. 

أما المعركة الثالثة فقد وقعت في السابع والعشرين من أيار، حيث تعرضت الطيرة مرة أخرى لهجوم كبير من محور رمات هكوبيش وهجوم مساند من محور كفار هيس. تم التمهيد لهذا الهجوم بقصف عسكري مركز على بيوت القرية ساهم إلى حد كبير بإدخال الهلع في النفوس لاسيما أن القوات المهاجمة استطاعت اقتحام بعض البيوت في الجهة الشمالية الشرقية، ودار قتال من بيت إلى بيت في محيط المدرسة التي استخدمها المدافعون مقر قيادة وإسناد. وفي هذه المرة، كما في المرة السابقة، ساهمت الفزعات القادمة من القرى المجاورة (من طولكرم والطيبة هذه المرة ) وبعض صناديق الذخيرة القادمة من مخازن اللجنة القومية في طولكرم بصد الهجوم. استشهد في المعركة مواطنان من الطيرة وجرح قرابة العشرة. 

غداة يوم المعركة قدمت طلائع القوات العراقية النظامية إلى المنطقة، واتخذت لها مواقع على طول الجبهة في منطقة المثلث. ساهم ذلك في بث روح الاطمئنان والثقة لدى الأهالي بشكل جعلهم يعيدون إلى القرية النساء والأطفال والشيوخ الذين كان قد تم إجلاؤهم أثناء احتدام المعارك في يومي 13 -14 أيار ويوم السابع والعشرين منه. 

وقعت المعركة الرابعة في الليلة الواقعة بين الأول والثاني من كانون الثاني 1949 وقد كان الطرف العربي هو المبادر لها هذه المرة، وذلك عندما حاولت وحدة للجيش العراقي مدعومة بوحدة من المتطوعين من أبناء الطيرة والقرى المجاورة بمحاولة استعادة بعض نقاط الحراسة التي كانت قوات يهودية قد استولت عليها على حين غرة في الأول من كانون الثاني. جرى قتال شديد حول نقاط الحراسة التي تم استعادتها جميعاً باستثناء نقطة واحدة في محور "رمات هكوبيش". وقد كان الثمن سقوط 13 شهيداً ثمانية منهم من الجنود العراقيين والباقي من أبناء الطيرة والمتطوعين.

بعد هذه المعركة بأسابيع قليلة قام الجيش العراقي بتسليم مواقعه للجيش الأردني الذي تولى المهام الأمنية هناك حتى توقيع الهدنة بين الأردن وإسرائيل، والتي سلم بمقتضاها شريط حدودي من المثلث الكبير إلى إسرائيل. وقد دخلت القوات الإسرائيلية الطيرة وغيرها من قرى هذا الشريط في الفترة الواقعة بين العاشر والحادي والعشرين من شهر أيار 1949
avatar
 
 
ذكر
عدد المساهمات : 1020
نقاط النشاط : 1444
تقييمك : 5
تاريخ التسجيل : 08/06/2015
العمر : 18
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضوhttp://inkor.ibda3.info/

رد: حلقات من دفاتر النكبة

في 17.03.16 21:33
من دفاتر النكبة (7):
صبارين عاصمة بلاد الروحة وقصة احتلالها وتهجير أهلها عام 1948
صبًارين (وتلفظ بفتح الصاد وتشديد الباء) قرية فلسطينية، تقع في الأطراف الغربية لبلاد الروحة على بعد 35 كم جنوبي حيفا وعشرة كيلومترات شرقي زمارين (زخرون يعقوب)، وكانت تتبع في فترة الانتداب البريطاني لقضاء حيفا. تحدها من القرى الفلسطينية السنديانة وبريكة من جهة الغرب، قنير وكفر قرع من جهة الجنوب والجنوب الشرقي، أم الشوف وخبيزة من جهة الشرق، وأم الدفوف ودالية الروحة من ناحية الشمال الشرقي. ترتفع صبارين قرابة المئة متر عن مستوى سطح البحر، وقد استمد اسمها، كما يبدو، من نبات الصبّار الذي يتواجد بكثرة في المكان. 

كغيرها من قرى بلاد الروحة، صبارين ومحيطها منطقة غنية جداً بالمياه جرت حولها عيون كثيرة أهمها: عين البلد (التي ينبع منها الوادي الجوفي الذي يصب في البحر المتوسط قرب قرية جسر الزرقاء، ويسير بمحاذاة وادي التماسيح) وعين الحجة ووادي الزيوانية وعين أبو حلاوة وعين الفوار وعين البلاطة وعين أبو شقير وغدير الخضيرة الذي يمر منه الوادي القادم ممن جهة خبيزة. 

بلغت مساحة أراضي صبارين في فترة الانتداب البريطاني قرابة 33،000 دونم وقد امتدت من السنديانة غرباً وحتى خبيزة شرقاً، ومن أراضي شفية ووادي الملح في الشمال وحتى قنير جنوباً. كانت صبارين أكبر قرى الروحة الاثنتين والثلاثين من حيث عدد السكان حيث بلغ عدد سكانها عشية النكبة قرابة 2000 نسمة. ومن العائلات التي سكنتها نذكر: الحاج محمود، الدعمة، أبو لبدة، حطاب، أبو السمن، عناية، المصاروة، العباهرة، أبو صيام، الحميدي، الخوجة، أبو جاد، أبو سويلم وعبد الهادي. 

صبارين في ثورة 1936 -1939: كانت صبارين مركزاً نشطاً من مراكز الثورة في منطقة بلاد الروحة والكرمل. تشكل فيها فصيل ثوري برئاسة إبراهيم الخوجة، وكان يتبع صبري الحمد عصفور ويوسف أبو درة. 

بلغ عدد أعضاء هذا الفصيل 13 ثائراً وقد استشهد من أعضائه حسني أحمد حطّاب، في حين استشهد من المدنيين خضر المحمد الذي لم يكن من الثوار، وقد قتلته القوات البريطانية عام 1938 أثناء الطوق الذي ضربته على المنطقة بحثاً عن القائد يوسف أبو درة. 

النكبة والتهجير: مع بداية المناوشات في نهاية عام 1947 وبداية عام 1948، بدأت بعض المحاولات لتنظيم مواقع دفاعية في القرية والقرى المجاورة وأرسلت بعض الوفود إلى بيروت ودمشق لإحضار الأسلحة والذخيرة. 

في نهاية كانون الثاني 1948 جاء بعض ضباط جيش الإنقاذ إلى صبارين واجتمعوا مع مخاتير صبارين والسنديانة وأم الشوف وبريكة وخبيزة، وطالبوهم بتنظيم مواقع دفاعية وتدريب الشباب على استعمال السلاح. لكن هؤلاء الضباط جوبهوا بمعارضة المخاتير الذين قالوا بأنهم يريدون المحافظة على العلاقات الحسنة التي تربطهم مع المستوطنات اليهودية المجاورة: بنيامينا وزخرون يعقوب. موقف المخاتير هذا لم يشفع لهم ولقراهم يوم الثاني عشر من أيار 1948 حين هاجمت قوات منظمة "إيتسيل" للقرى الخمس وبطبيعة الحال تم تجميع معظم القوات المهاجمة في محيط صبارين. 

في شهادة لموشيه نير(نحشون) قائد الهجوم قال: " عند تسلمنا الأوامر بمهاجمة صبارين، أعطيت فرقتي أمراً بالتحرك على شكل كتائب يؤمنها في المقدمة بعض قصاصي الأثر وبعض الخلايا من الجناحين. تقدمنا نحو صبارين وقد أمّن تقدمنا فرقتان وسيارة "جيدي" المدرعة التي كان فيها مدفع رشاش ووحدة مسلحة بالبنادق. 

أظهر العدو مقاومة من جهات مختلفة، وخاصة باتجاه الوحدة التي تقدمت في الأرض المكشوفة، لكنه فوجئ من نيران الأسلحة الرشاشة والبنادق التي وجهت نحوه من الأجنحة والفرق التي سيطرت على التلال المشرفة على القرية.... أثناء التقدم تم تكبيد العدو خسائر فادحة وصلت إلى أكثر من عشرين قتيلاً، وقد أصاب سكان القرية الرعب والهلع وبدأت عملية هروب جماعية، عندها بدأت السيارة المدرعة بمطاردة الهاربين وإمطارهم بالنار الشديدة ". 

وأما معين الدعمة، وهو من سكان صبارين وكان شاهد عيان على ما حصل، فقد وصف الهجوم قائلاً: " دخل اليهود القرية من جهة الجنوب، وبدأوا بإطلاق النار بشكل عشوائي على كل إنسان يرونه. وكنت على البيدر أدرس الشعير، وكان دخولهم وقت الضحى، كانت أمامي صبية تحمل أخاها وقد أصيب الصبي ابن السنتين وبدأ الدم يتدفق من جرحه، كما ورأيت شخصاً عجوزاً كان يحل ضيفاً في البلد أصابته رصاصة فخر صريعاً، كما ورأيت بأم عيني مصرع ثلاثة من بائعي الزيت قتلهم المهاجمون مع حميرهم".

على إثر هذا الهجوم، يضيف معين الدعمة، نزح معظم سكان القرية من الجهة الشرقية التي فتحها المهاجمون عن قصد ليمكنوا السكان من ترك المكان. أما من لم يستطع منهم فعل ذلك من العجزة والمرضى وكبار السن فقد جمعهم المهاجمون في متبن كان تابعاً لسليم عبد القادر وهناك حرقوا عليهم المتبن".

ويضيف معين الدعمة قائلاً بأنه "عاد بعد الهجوم بأسبوعين لأخذ بعض الأغراض من البيت فوجد المكان مليئاً بالجثث التي تنهشها الكلاب المسعورة". أما المهاجمون فيعترفون بتجميع من تبقى من سكان القرية في "محبس" لبضع الوقت ثم طردهم بعد ذلك في اتجاه أم الفحم.

وقال موشيه نير واصفاً ذلك: " في صبارين أقمنا محبساً أدخلنا فيه كل كبار السن والنساء والأطفال ممن لم يستطيعوا الهرب، والذين تواجدوا في القرية أثناء احتلالها وتفتيشها، وقد وصل عددهم إلى أكثر من مئة. بعد عدة أيام بعثناهم (في الأصل سلمناهم) إلى أم الشوف ومن هناك تم توجيههم، تحت الرقابة، إلى أم الفحم وذلك كي نكفل عدم بقائهم في المنطقة أو محاولة الرجوع إلى قريتهم".

هذه الرواية أخذ بها بيني موريس مضيفاً إليها بعض التفاصيل حول ماهية المحبس وكون جدرانه من الأسلاك الشائكة. 

ثمة شهادة أخرى لضابط شارك في العملية هو أبراهام بندوري الذي يقول فيها بأن احتلال صبارين انتهى الساعة الثامنة والنصف صباحاً، وقد تحدث أيضاً عن وقوع 80 قتيلاً من سكان القرية و300 أسير، في حين ذكر بأن إجلاء الأسرى كان في تمام الساعة الثالثة من عصر ذلك اليوم. 

إن المتمعن في شهادة الضابطين يرى تناقضاً واضحاً بالنسبة لعدد القتلى (الفارق بين الشهادتين كان ستين قتيلاً) وبالنسبة للأسرى إذا كانوا قد حجزوا بضعة أيام أو بضع ساعات فقط. هذا مع العلم أن موشيه نير كان قاد عملية الهجوم واحتلال القرية في ساعاتها الأولى، وسلمها إلى بندوري في ساعات الظهيرة حيث تمركزت وحدته في القرية لبضعة أيام قبل تسليمها لقوات "الهاجاناه".

وإذا أخذنا بالاعتبار أن موشيه نير لم يمض في القرية إلا بضع ساعات (من بداية المعركة وحتى الثانية عشرة والنصف ظهراً) فإن مصداقية شهادته تبدو عالية في الساعات الأولى للقتال، أما بندوري، الذي تسلمها ظهراً، فإن شهادته تبدو أكثر مصداقية فيما يتعلق بالفترة التالية. والسؤال يبقى هل ضم بندوري في إحصائه للقتلى أولئك الذين تحدث عنهم معين الدعمة؟ وإذا كان الجواب بالإيجاب ينتج لنا تفسير معقول للفرق في عدد القتلى بين شهادتي نير وبندوري.

يتواجد معظم لاجئي صبارين في مخيمات اللجوء في الضفة الغربية والأردن، وبعضهم في مخيمات اللجوء في سورية ولبنان، وبعضهم في باقي المهاجر. كما ويعد قسم منهم على لاجئي الداخل حيث يقيمون في الفريديس وعارة وعرعرة وبرطعة وأم الفحم ومعاوية
avatar
 
 
ذكر
عدد المساهمات : 1020
نقاط النشاط : 1444
تقييمك : 5
تاريخ التسجيل : 08/06/2015
العمر : 18
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضوhttp://inkor.ibda3.info/

رد: حلقات من دفاتر النكبة

في 17.03.16 21:34
من دفاتر النكبة (8): 
معركة قاقون وانعكاساتها
قاقون هي قرية من قرى قضاء طولكرم، تقع إلى الجهة الشمالية الغربية منها وذلك على بعد 8كم. يحدها من القرى الفلسطينية من الشرق قرى يمة وبير السكة، ومن الغرب كانت تحدها قرى زلفة الرمل، منشية عتيل ووادي الحوارث. 

تقع القرية في وسط مرج أطلق عليه سكان المنطقة، في حينه، اسم "جزر قاقون". وكما يبدو، كانت التسمية وصفاً لوضع يشكل المرتفع الذي تقع عليه القرية جزيرة في بحر من الأرض المستوية الخضراء التي كانت مزروعة بالبساتين والخضار. وهذا المرج هو جزء من منطقة وادي القباني التي تمتد على طول المنطقة من وادي الحوارث وحتى طولكرم. 

بلغت مساحة أراضي قاقون، في فترة الانتداب، حوالي 15 ألف دونم، معظمها أراض مفروزة ملكت منها عائلة أبو هنطش قرابة العشرة آلاف دونم. وقد زرعت هذه الأراضي بالغلال شتاءاً، وبالخضراوات (خاصة القثائيات ) صيفاً. كما وزرعت بعض المساحات بالبساتين من التفاح والزيتون والحمضيات، كان منها بيارة حمضيات لأحمد الشكعة من نابلس بلغت مساحتها 300 دونم، وبيارة أخرى لنافع العنبتاوي من طولكرم كانت مساحتها 140 دونماً، وبيارة ثالثة لمدحت أبو هنطش بلغت مساحتها 150 دونماً. 

كانت أراضي قاقون غنية بالمياه والينابيع خاصة المنطقة الواقعة غربي القرية والمعروفة بالحفاير، حيث كانت تسقى هناك قطعان مواشي القرية وقد زرعت حول الينابيع حقول الخضراوات خاصة مقاثي البطيخ الذي اشتهر بكبر حجمه وضرب به المثل بكبر الحجم والحلاوة. 

وصل عدد سكان القرية، عشية النكبة، إلى 2000 نسمة، وقد شكلت عائلة أبو هنطش نصف السكان تقريباً. في حين انتمى بقية السكان لعائلة المصاروة وشاهين والجمايلة (زيدان) الذين يعودون بأصلهم إلى قرية دير الغصون المجاورة. 

قام السكان في بداية الثلاثينات من القرن الماضي (وبمساعدة من مديرية التربية في حكومة الانتداب ) ببناء مدرسة مكونة من ثلاث غرف وقاعة للمحاضرات. وقد تعلم فيها عام 1947 قرابة 160 طالباً، قام بتدريسهم ثلاثة معلمين هم حيدر سعيد من قرية عنبتا، وصفي حندقجي من طولكرم وعبد الغني عرفة من قاقون. 

قاقون وثورة 1936 -1939: كانت قاقون بحكم موقعها (على السكة الحديدية التي كانت تربط الخضيرة وطولكرم)، وبحكم ثرواتها وخيراتها، أحد المقرات المهمة لقادة الفصائل في المنطقة خاصة عبد الله الأسعد من عتيل ، خالد الحامد من عتيل، وعبد الرحمن زيدان من دير الغصون. وقد انتظم من أبنائها في الثورة 18 ثائراً استشهد ثلاثة منهم (عثمان يوسف زيدان، فؤاد صالح زيدان وإبراهيم النايفة ). أما الباقون من الثوار فكانوا: نمر الحافي، راجح الحاج حسين، محمد سعيد شحادة، راغب الناصر، داود عبد ربه، علي الأعرج، أنيس عبد الحسن، نمر الحامد، محمد الأحمد السلمان، عبد الرؤوف محمد زيدان، محمد أبو حميد زيدان، عبد الفتاح محمد زيدان، عبد الرازق عثمان زيدان، محمد جابر العبد وكامل مصلح. 

النكبة والتهجير عام 1948: كانت قاقون نقطة أمامية على خطوط القتال بين القوات اليهودية والقوات العربية المتعاقبة التي حاولت الدفاع عن منطقة طولكرم. بداية كان أولئك سكان محليون ثم قوات غير نظامية من المتطوعين العرب. وبعد ذلك كان جيش الإنقاذ الذي بعث بسريتين للدفاع عن القرية. وفي العشرين من أيار وصلت وحدة من الجيش العراقي إلى قاقون، وتولت الدفاع عنها إلى أن جرت المعركة الفاصلة في الخامس من حزيران 1948. 

معركة قاقون، تفاصيلها وانعكاساتها: كانت قاقون نقطة مهمة من نقاط الارتكاز للقوات العربية في منطقة المثلث قبالة المواقع الإسرائيلية، وقد امتدت هذه الجبهة من رأس العين في الجنوب، وحتى مقيبلة وصندلة في الشمال. كانت قاقون مقامة على تل مشرف يسيطر على منطقتي وادي الحوارث ووادي القباني بكاملهما وعلى المستوطنات اليهودية التي جاورتها مثل "همعبيل" و"عين هحوريش" اللتين كانت بينهما وبين قاقون مناطق حرام فصلتها عن المناطق تحت السيطرة العربية. 

بسبب هذا الموقع الاستراتيجي المهم قررت القيادة الإسرائيلية احتلال قاقون وبكل ثمن ملقية المهمة على عاتق قوات لواء "ألكسندروني" وقد تقرر أن يكون الهجوم في الليلة الفاصلة بين الرابع والخامس من حزيران 1948. 

بلغ عدد القوات العربية المدافعة عن قاقون قرابة مائتي مقاتل من قوات المتطوعين العرب، وسرية مدرعات عراقية قدر عدد رجالها بمائة وخمسين مقاتلاً. كانت هذه القوات مركزة في مبنيين: الأول في الجهة الشمالية الشرقية في منطقة بيارات الحمضيات، وقد كانت مقر قيادة للقوات العراقية، والثاني في الجهة الغربية من القرية حيث كانت المدرسة. كما وأقام رجال المدرعات مرابض مدفعية في ثلاث جهات: الجنوبية والشمالية والغربية، وقد تم ربط هذه المرابض بقناة بعمق مترين تمركز فيها معظم مقاتلي القرية والمتطوعين. ترك المدافعون الجهة الشرقية غير محصنة بشكل يجعل الحركة نحو طولكرم حرة لتلقي النجدات والمؤن أو لنقل الجرحى. مع معرفة القوات المهاجمة للتحصينات في القرية وقع الاختيار على الجهة الشرقية لتكون المحور الأساسي للهجوم وذلك لكونها مفتوحة ولمباغتة المدافعين الذين لم يتوقعوا هجوماً من هذه الجهة. 

تم تركيز قرابة 1500 جندي مهاجم مسلحين بالمدرعات والمدافع الثقيلة والرشاشة في محيط القرية ومن ثم تم تطويقها والتحضير لقصفها قبل اقتحامها. في الساعة الحادية عشرة ليلاً اكتشف المدافعون من الجهة الجنوبية التحضيرات للهجوم، وقاموا بالاشتباك مع وحدات الاستكشاف اليهودية الأولى التي جاءت من جهة الجنوب الغربي بقصد التضليل كي يتسنى للقوات الأساسية المهاجمة الالتفاف ومهاجمة القرية من الشرق. بدأ القصف المدفعي المركز تمام الساعة الواحدة بعد منتصف الليل واستمر ثلاث ساعات كاملة. وقد تخلله قصف معاكس من قبل المدفعية العراقية الموجود في القرية ومرابض بعيدة أكثر تواجدت في محيط قرية شويكة. 

بدأت محاولات الاقتحام مع فجر يوم الخامس من حزيران وقد تم صد الهجوم من جهتي الشرق والجنوب في حين حقق المهاجمون بعض الانجازات من جهة الشمال الشرقي حيث قاموا باحتلال مبنى المطحنة ومبنى القيادة العراقية وقام المدافعون بإيقاف تقدم القوات المهاجمة حيث تحصنوا قي قناة ربطت مبنى القيادة في الشمال مع مركز القرية حيث مبنيي القلعة والخان الأثريين. 

في الساعة السادسة والنصف صباحاً قام المدافعون بهجوم معاكس بقصد السيطرة على المباني التي فقدوها في الليل. نجح الهجوم المعاكس بإيقاع خسائر كبيرة في صفوف القوات المهاجمة وصدها نحو500 متر إلى الوراء بحيث كان للنيران المساندة من محيط شويكة وطولكرم الأثر الكبير بإيقاع الإصابات في صفوف القوات المهاجمة لتواجدها في أماكن مكشوفة. 

في الساعة الثانية عشرة ظهراً قامت القوات العراقية بقصف القوات المهاجمة وكيبوتس "همعبيل" الشيء الذي مكن المدافعين من التقاط الأنفاس ونقل الجرحى إلى مستشفى طولكرم. لكن هذا الهدوء لم يدم طويلاً حيث قامت القوات اليهودية بهجوم معاكس وقد زجوا في الهجوم بأربع فرق جديدة ساندتها أربع طائرات قامت بقصف أماكن تركيز المقاومين وإعطاب باصات النجدة القادمة من محيط طولكرم والتي كانت محملة بعشرات " الفزاعة " من القرى المجاورة. استمر الهجوم المركز حتى السابعة مساءاً، وقد تخللته اشتباكات بالسلاح الأبيض إلى أن نجحت القوات اليهودية بإقصاء آخر المدافعين عن القرية واحتلالها. 

احتلت القوات اليهودية قاقون بعد معركة دامية استمرت 17 ساعة ذهب ضحيتها عشرات من أهالي القرية والمتطوعين العرب و23 جندياً عراقياً نظامياً، في حين كانت الخسائر اليهودية 26 قتيلاً وعشرات الجرحى. 
قلعة قاقون..
avatar
 
 
ذكر
عدد المساهمات : 1020
نقاط النشاط : 1444
تقييمك : 5
تاريخ التسجيل : 08/06/2015
العمر : 18
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضوhttp://inkor.ibda3.info/

رد: حلقات من دفاتر النكبة

في 17.03.16 21:35
من دفاتر النكبة (9):
صفد وقصة سقوطها عام 1948 
صفد هي مدينة عريقة التاريخ، تقع في منطقة الجليل الأعلى على قمة جبل كنعان وعلى ارتفاع قدره 839 متراً. وكانت إحدى خمس مدن فلسطينية عامرة ومزدهرة في فترة الانتداب وما سبقها ( المدن الأخرى هي طبريا وبيسان والمجدل وبئر السبع )، والتي تم إنهاء الوجود العربي فيها بشكل تام بعد حرب ونكبة عام 1948 – 1949. 

كانت هذه المدينة في فترة الانتداب البريطاني جزءاً من لواء الجليل ومركزاً لقضاء عرف باسمها. بلغت مساحة قضاء صفد في عهد الانتداب البريطاني حوالي 750 كيلومتراً مربعاً، وضم إضافة لمدينة صفد 69 قرية، هذا إضافة لبعض المجمعات البدوية.

وكانت قرى (قدس، صلحا، هونين والمالكية ) من هذه القرى قد ضمت لقضاء صفد بعد أن سلخت من لبنان عام 1923. علماً بأن الغالبية الساحقة لقرى هذا القضاء (بما في ذلك مدينة صفد العربية ) كانت قد دمرت عام 1948 باستثناء أربع قرى وهي الجش وعكبرة وطوبا وحرفيش والريحانية. 

كانت صفد في فترة الانتداب مركزاً من المراكز النشطة للحركة الوطنية الفلسطينية، فقد كانت إحدى بؤر هبة البراق عام 1929 والتي ابتدأت أحداثها في القدس، وامتدت من هناك إلى مدن فلسطينية أخرى وخاصة مدينتي صفد والخليل. علماً بأن أحد أبنائها، فؤاد حجازي، كان واحداً من الشبان الفلسطينيين الثلاثة (الاثنان الآخران هما محمد جمجوم وعطا الزير من الخليل )، الذين أعدمتهم سلطات الانتداب البريطاني في السابع عشر من حزيران 1930 بتهمة تأجيج وتنظيم أحداث آب –أيلول 1929. 

وفي صفد تشكل في نهاية عام 1929 وبداية عام 1930 فصيل "جماعة الكف الأحمر" برئاسة أحمد طافش وهو أول فصيل فلسطيني مسلح في منطقة الجليل. وفي ثورة 1936 – 1939 كانت صفد ومنطقتها معقلاً مهماً من معاقل الثورة الفلسطينية، وفيها نشطت فصائل منطقة الجليل بقيادة أبو إبراهيم الكبير ( خليل العيسى ) وفصائل محلية بقيادة عبد الله الشاعر وعبد الله الأصبح، وقد بلغ عدد ثوار هذه الفصائل بضع مئات من أبناء مدينة صفد وقراها. 

بلغ عدد سكان المدينة عام 1947 قرابة 13500 نسمة، منهم 2600 يهودي. أما مساحة أراضيها الزراعية فقد بلغت قرابة 5000 دونم. 

نكبة مدينة صفد وتهجير سكانها: 

أكسبت تركيبة مدينة صفد السكانية وكونها مدينة مختلطة هذه المدينة أهمية خاصة ووضعتها على رأس أجندة الطرفين اللذين حاولا جاهدين تأمين السيطرة عليها وعلى محيطها القروي خاصة بعد مغادرة البريطانيين لها في نهاية نيسان 1948. 

بدأت المناوشات في الثاني عشر من كانون الأول 1947 بعد قتل شاب يهودي في سوق صفد الكبير على إثر اتهامه بمحاولة تفجير نفسه بين الجموع. وقد رد اليهود على ذلك بسلسلة من أعمال القنص أدت إلى استشهاد شابين من العرب هما حسني القوصي وربحي قدورة. 

في الخامس والعشرين من الشهر ذاته جرت المحاولة العربية للاستيلاء على القلعة، إذ جرت حولها معركة حامية سقط فيها بعض القتلى من الجانبين، ولم يكتب للمقاتلين العرب السيطرة على القلعة بسبب تدخل القوات البريطانية التي لم تغادر يومها القلعة بعد. 

حتى بداية كانون الثاني 1948 قاد فايز قدورة المسلحين والحراس العرب في صفد إلى أن حضر إليها الضابط السوري إحسان ألماز. قام هذا الضابط بتنظيم المقاتلين العرب وعمل على تدريبهم وتحضيرهم للمواجهات. ووضع خطة محكمة لمحاصرة الحي اليهودي، ومنع قدوم المؤن والذخيرة إليه. 

واضطر اليهود بسبب ذلك الحصار لتشغيل بعض القوافل من السيارات المصفحة بغرض الوصول للحي اليهودي ونجدته، كما وحاولوا كسر الحصار من خلال مهاجمة واحتلال بعض القرى العربية المشرفة على طريق جبل كنعان المؤدية لصفد. 

في الخامس عشر من نيسان قامت قوات المتطوعين العرب من دخول نقطة البوليس البريطاني ومبنى الحاج فؤاد الخولي، الواقع على الحدود المتاخمة بين الحي اليهودي والأحياء العربية، والذي كان البريطانيون قد صادروه بعد بدء المناوشات للفصل بن الأحياء العربية والحي اليهودي. حاولت القوات اليهودية السيطرة على هذين المبنيين في هجوم معاكس في الثامن عشر من نيسان، ولكن القوات العربية المتحصنة فيهما نجحت في صد الهجوم والسيطرة على بعض المواقع اليهودية الأمامية. 

في اليوم ذاته وصلت طلائع وحدة أردنية تابعة لجيش الإنقاذ يقودها الضابطان أميل الجمعان وساري فنيش. وفي اليوم التالي وصلت سرية متطوعين سورية قوامها 80 مقاتلاً بقيادة عبد الحميد السراج ( الرجل الأول في سوريا أيام الوحدة مع مصر لاحقاً ) وهشام العظم. 

لم يكن قدوم هذه النجدات بادرة خير على المجهود الحربي العربي ومعنويات الأهلين، إذ أنه سرعان ما تصادم الضابطان الأردنيان، اللذان عملا على التهدئة، وفرضا منع التجوال على السكان، مع الضبط السوريين وقائد قوات المتطوعين إحسان ألماز الذي رأى بوجوب القيام بمبادرات هجومية لضرب معنويات الحي اليهودي من جهة، ورفع معنويات أهالي صفد من جهة أخرى.

وقد أدى هذا النزاع إلى انقسام أهل المدينة بين مؤيد لهذا أو ذاك من الضباط، ولم يكن بد من استبعاد إحسان ألماز خاصة بعد قدوم سرية أخرى من جيش الإنقاذ تحت قيادة الجنرال أديب الشيشكلي (رئيس سوريا فيما بعد في الفترة الواقعة بين 1949 -1955) وتوليه القيادة العليا بنفسه. 

في مطلع أيار كان اليهود قد سيطروا على قريتي عين الزيتون وبيريا وقد نجحوا بذلك بكسر الحصار العربي على الحي اليهودي في صفد، وتحويل الوضع إلى وضع معاكس، بحيث أصبحت الأحياء العربية هناك تحت الحصار. وفي ظل هذه الظروف كان أمر سقوط صفد هو مسألة وقت ليس إلا خاصة إزاء الإصرار اليهودي على ذلك وذلك تمهيداً لبسط السيطرة اليهودية على الجليل الأعلى بكامله. 

وعن أهمية كسر شوكة أهل صفد من العرب كمقدمة للسيطرة على الجليل الأعلى، قال يجئال ألون، قائد قوات "البالماح" التي تولت مهاجمة المدينة، في توجيهاته للقوات المهاجمة: " إن عرب صفد هم العامل الأقوى في منطقة الجليل الأعلى، وعليه فإن احتلال صفد، سيخفف إلى حد كبير، من صعوبة احتلال أماكن أخرى في الجليل الأعلى وإصبع الجليل". وبغرض تجميع القوات اللازمة لهذه العملية قامت القيادة اليهودية بوضع لواء ألون 11 من قوات "جولاني" ولوائين من قوات "البالماح" تحت تصرف يجئال ألون الذي اخذ يتحين الفرص للانقضاض على الأحياء العربية من مدينة صفد واحتلالها. 

في اليوم السابع من أيار قام أديب الشيشكلي بوضع خطة لمهاجمة الحي اليهودي وكسر الحصار، حيث بدأت بطارية المدافع التابعة لجيش الإنقاذ والمرابطة برأس التينة ووادي الطواحين بقصف الحي اليهودي تمهيداً لاقتحامه. وعلى أثر ذلك قامت القوات اليهودية بشن هجوم مضاد في الثامن من الشهر ذاته. نجح المدافعون العرب بصده بشق الأنفس. لكن القوات اليهودية أعادت الكرة في هجوم شامل حمل اسم "عملية يفتاح" بدأ في العاشر من أيار واستمر في الحادي عشر منه. وفي نهايته نجحت القوات اليهودية ببسط سيطرتها على المدينة العربية بعد أن أخلتها سرايا جيش الإنقاذ في اليوم الأول للهجوم ولم يبق في المدينة إلا عشرات من المقاتلين المحليين، وبعض المتطوعين العرب الذين تحصنوا في مبنى القلعة وقاتلوا حتى النفس الأخير. 

ودخلت القوات اليهودية صفد بعد أن تم تهجير أهلها تحت وقع القتال المرير الذي دار هناك. استشهد في عملية الدفاع عن صفد قرابة 100 شهيد وجرح العشرات، وقد تم أسر بعض الشباب ووضعهم في المعتقلات حتى تم إطلاق سراحهم بعد التوقيع على اتفاقيات الهدنة
avatar
 
 
ذكر
عدد المساهمات : 1020
نقاط النشاط : 1444
تقييمك : 5
تاريخ التسجيل : 08/06/2015
العمر : 18
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضوhttp://inkor.ibda3.info/

رد: حلقات من دفاتر النكبة

في 17.03.16 21:35
من دفاتر النكبة (10): 
كفر سابا العربية وقصة سقوطها وتهجيرها../ د.مصطفى كبها 
قرية كفر سابا هي قرية فلسطينية جرى احتلالها وتدميرها وتهجير أهلها في أيار 1948. تبعت هذه القرية في فترة الانتداب البريطاني قضاء طولكرم، وهي تبعد عن طولكرم مسافة 15 كم باتجاه الجنوب – الغربي، وعن قلقيلية مسافة 5 كم باتجاه الغرب، وحدتها كذلك من الجنوب بلدة كفارسابا اليهودية، ومن الشمال الغربي قرية مسكة، ومن الغرب خربة عزون ( تبصّر )، كما وحدّت القرية كذلك قرى جلجولية وبيار عدس.

بلغ عدد سكان كفر سابا عام 1948 حوالي 1500 نسمة، وكان من عائلاتها الولويل والنجار وياسين وجبر والقرعاوي وعائلات أخرى. أما مساحة أراضيها فقد بلغت حوالي 10000 دونم زرعت بالغلال والخضروات والحمضيات. 

كانت القرية نشطة في ثورة 1936 – 1939 حيث وقعت في منطقة نشاط الفصائل التابعة لعارف عبد الرازق وفارس العزوني. وشارك العديد من أبنائها في الثورة بشكل فعلي وكذلك في تقديم المساعدات اللوجستية للفصائل الثورية. 

النكبة والتهجير: منذ بدء المناوشات المسلحة بين العرب واليهود مع بداية كانون الأول/ ديسمبر عام 1947، كانت كفر سابا إحدى نقاط الاحتكاك الساخنة مع المستوطنات اليهودية خاصة مع كفار سابا ورعنانا. في البداية وقعت بعض الاشتباكات المتفرقة في منطقة النبي يامين وفي منطقة البيارات المتجاورة حيث وقعت أعمال قنص متبادلة وتفجير لآبار المياه في البيارات المتجاورة، والتي ادعت القيادة اليهودية أن البيارات العربية كانت قاعدة لتنظيم وانطلاق المسلحين الذين هاجموا المستوطنات اليهودية. وقامت على إثر ذلك ببعض العمليات الانتقامية في تلك البيارات والتي تضررت منشآتها إلى حد كبير. 

في الرابع من آذار/مارس 1948 هاجمت قوات يهودية كبيرة قرية بيار عدس رداً على مهاجمة قوات عربية مستوطنة "مجدائيل" اليهودية، وشاركت مجموعة من مقاتلي كفرسابا في الدفاع عن بيار عدس، ما جعل قوات "الهاجاناه" تقرر معاقبة كفر سابا من خلال فرض شبه حصار على طرق مواصلاتها وضرب المركبات الداخلة إليها أو الخارجة منها وقنص ركابها. وفي نهاية الشهر ذاته قامت وحدة من قوات "الكسندروني" بمهاجمة الأطراف الغربية للقرية. واستشهد في هذا الهجوم اثنان من سكان القرية وأصيب كذلك سائق مركبة من قلقيلية.

في التاسع من أيار قامت قوات عربية مكونة من سرية تابعة لجيش الإنقاذ وقوات من المتطوعين العرب من كفر سابا بقصف مركز لبلدة كفار سابا اليهودية استهدف إسكات المواقع التي انطلقت منها نيران القناصة التي أصابت المارين على الطريق المؤدي لكفر سابا. وقامت ثلاث مدرعات خفيفة تابعة لجيش الإنقاذ بمهاجمة برج الماء المتواجد في الأطراف الشمالية لكفار سابا (حيث كان مقراً دائماً لأولئك القناصين ) وتدميره. بعد هذا الهجوم، قررت قوات "الهاجاناه" في المنطقة مهاجمة قرية كفر سابا العربية بغرض احتلالها، وحددت عملية الهجوم ليوم الثالث عشر من أيار 1948، وأطلق على العملية اسم " عملية مديناه". 

ألقي تنفيذ عملية الهجوم على عاتق قوات فرق 32 و 33 التابعة للواء ألكسندروني. واقتضى ذلك أن تقوم فرقة 33 أ بمهاجمة القرية من جهتي الجنوب والغرب، في حين تقوم الفرقة 33 ب بإقامة حاجزين من الموانع يكون من شأنهما منع توافد قوات نجدة عربية من جهتي الشرق والجنوب الشرقي خاصة من منطقة قلقيلية. كما وتم التخطيط لنصب ثلاث راجمات في منطقة البيارة التابعة لسلامة الحاج إبراهيم ( من طولكرم ) وذلك لدعم المهاجمين والتغطية على أعمال إقامة الموانع والحواجز. في البداية كانت ساعة الصفر للبدء بالهجوم قد تحددت لمنتصف ليل 13 -14 أيار، ولكن هذا الموعد تم تبكيره ليبدأ الهجوم في وضح نهار يوم الثالث عشر من أيار. 

بدأت عملية الهجوم في تمام الساعة الحادية عشرة والنصف ظهراً من خلال قصف مركز قامت به الراجمات من عيار ثلاثة أرطال لمركز قرية كفر سابا والأحياء الغربية منها، وسبب القصف دماراً كبيراً في المباني وإصابات عديدة بين المدنيين وأثار حالة من الهلع في صفوفهم. 

وتحت غطاء القصف بالراجمات تقدمت قوات المشاة تحت غطاء البيارات الكثيفة المحاذية للقرية وأخذت لها مواقع في حقول الغلال الواقعة في الجهة الجنوبية الغربية لتبدأ الهجوم من هناك حوالي الساعة الواحدة بعد الظهر.

شهدت القوات المهاجمة مقاومة شرسة من المدافعين عن القرية الذين بلغ عددهم حوالي الستين مقاتلاً، بما في ذلك سرية من المتطوعين العرب بقيادة ضابط سوري بلغ قوامها ثلاثين مقاتلاً. وقد دارت معارك ضارية وجهاً لوجه ومن بيت إلى بيت في مركز القرية وفي الحي الجنوبي الغربي. ونجحت قوات "الهاجاناة" المدعومة بقصف كثيف من الراجمات التشيكية الصنع بالسيطرة على معظم مساحة القرية بعد ساعتين من القتال. وقد استمر إطلاق النار المتقطع في محيط مقام النبي يامين وفي التل الشرقي المشرف على الطريق الرئيسي المؤدي إلى قلقيلية. 

في الوقت الذي باشرت في القوات المهاجمة تفتيش البيوت وطرد من تبقى من أهلها نحو الشرق، قامت قوات الجهاد المقدس التابعة للهيئة العربية العليا وبأمر من القائد حسن سلامة، قائد قوات جيش الجهاد المقدس في منطقة المركز، بتنظيم هجوم معاكس شاركت فيه بعض المدرعات الخفيفة التي كان جيش الجهاد قد غنمها من قوات "الهاجاناه" في قطاع كفار عتسيون.

نجح هذا الهجوم باسترجاع التل الإستراتيجي الذي تمركزت فيه وحدة استكشاف يهودية وذلك بعد قتال ضار تم فيه الإجهاز على كافة مقاتلي فرقة الاستطلاع التابعة "للهاجاناه". وقامت قوات الهجوم المعاكس كذلك بإيقاع إصابات عديدة من خلال تدمير حافلة مدرعة جاءت وقت المساء لنجدة وحدة الاستطلاع.

وجاء في شهادة يعقوب دورون، أحد الذين كانوا داخل الحافلة: " شعرت بأن الدنيا تدور بي عندما استهدفت سيارة الباص المدرعة قنبلة من مدفع إحدى المدرعات التي وقفت أمامنا، وجدت نفسي ملقى على أرضية الباص المدرع ومن حولي ظلام دامس ومخيف... زحفت باتجاه الفتحة الخلفية للباص، شعرت بأني أزحف على جثث وقد عرفت بأن هذه الجثث هي جثث رفاقي، أحد أعضاء الفرقة ساعدني بالنزول من المركبة، وبالسير مع من ساروا. فهمت بأننا منسحبون نحو القرية.. الباص المشتعل ساعدنا بعض الشيء في عملية تغطية الانسحاب، ولكن عندما أصبحنا منكشفين أصابت رجلي اليمنى رصاصة أخرى، لكنني واصلت المسير بحيث كنت متكئاً على أحد أصدقائي وقد شعرت أن الطريق إلى القرية تطول إلى ما لا نهاية". 

سبّب سيل السكان المطرودين من القرية نحو الشرق تأجيل الاستمرار بالهجوم المعاكس للقوات العربية، خاصة وأن الظلام كان قد حل، ولم تكن تلك القوات مالكة لأدوات وتقنيات القتال في الليل. مكّن هذا التأجيل قوات الكسندروني من التقاط الأنفاس وبمساعدة النجدات التي حصلت عليها هذه القوات أثناء الليل، كانت هي البادئة بالهجوم صبيحة يوم الرابع عشر من أيار/ مايو، حيث كبّدت القوات العربية خسائر كبيرة وأجبرتها على التراجع نحو قلقيلية. ولم يفلح هجومان قامت بهما القوات العراقية (التي قدمت إلى تلك الجبهة في الخامس عشر من أيار ) في السادس والسابع عشر من الشهر باستعادة القرية التي أضحت منذ ذلك التاريخ قاعدة أمامية للقوات الإسرائيلية التي انطلقت منها لاحتلال وتهجير قرى عربية أخرى في المنطقة
avatar
 
 
ذكر
عدد المساهمات : 1020
نقاط النشاط : 1444
تقييمك : 5
تاريخ التسجيل : 08/06/2015
العمر : 18
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضوhttp://inkor.ibda3.info/

رد: حلقات من دفاتر النكبة

في 17.03.16 21:35

من دفاتر النكبة 11: 
كفر قرع؛ قصة معركة فاصلة وتهجير دام 11 شهراً














































كفر قرع قرية من قرى وادي عارة الواقعة في المثلث الشمالي، وتبعد عن حيفا 47 كم في جهة الجنوب الشرقي. تقع في الحافة الشمالية الغربية لوادي عارة في منطقة الروحة والتي كانت فيها حتى العام 1948 اثنتان وثلاثون قرية هجرت ست وعشرون منها وبقيت كل من كفر قرع، عارة، معاوية، مشيرفة، مصمص والبياضة. بلغ عدد سكان هذه القرية عشية النكبة 1680 نسمة. في فترة الانتداب مرت كفر قرع بعملية تحديث مكثفة حيث بنيت فيها مدرسة ابتدائية نموذجية في مطلع الثلاثينيات من القرن الماضي.

كانت مساحة راضيها ما مجموعه 18000 دونم، زرعت بمختلف أنواع الغلال والخضروات والفواكه. ونظراً لاشتغال معظم سكانها بالزراعة فقد أقيمت فيها جمعية تعاونية زراعية عملت على استيراد وتشغيل التقنيات الحديثة من جرارات ومحاريث وبذور محسنة الخ... 

في ثورة 1936 -1939 كانت كفر قرع قرية نشطة، حيث تشكل من أبنائها فصيل بقيادة ياسين الأسمر القبق والذي عمل في منطقة قيادة الشيخ يوسف سعيد أبو درة، والتي شملت منطقة جنوب حيفا والروحة ووادي عارة وجنين. 

تعرض هذا الفصيل لنكسة شديدة عام 1938 عندما استشهد معظم أعضائه في عملية تطويق قامت بها القوات البريطانية في منطقة تدعى بيت الشمالي قرب قرية رمانة (قضاء جنين ). وعلى الأرجح أن الطوق فرض بسبب وشاية محلية ترتبط بتوتر داخلي تفاقم بعد ذلك حتى أدى إلى اعتقال قائد الفصيل ونائبه حسن شبلي (أبو سنان ) من قبل فصائل الثورة. أما من استشهد من أعضاء الفصيل في بيت الشمالي فكانوا: إبراهيم أبو فنة، محمود الحسن أبو فنة ويوسف العرباصي. كما جرح في المعركة محمد الزوقي مصاروة الذي توفي بعد ذلك متأثراً بجراحه، في حين تم اعتقال محمد أحمد أبو سرية وإعدامه لاحقاً في سجن عكا.

وقد انتمى لهذا الفصيل كذلك كل من مصطفى العرباصي، حسن الشتيوي وراجح العريدي، في حين انتمى لفصائل أخرى كل من: خليل حسن يحيى وفؤاد سعيد كناعنة (فصيل عبد الله الأسعد من عتيل )، حسن علي مصالحة ( فصيل العبد الصادق من عتيل )، محمود جبر مصالحة ( فصيل يوسف أبو درة من السيلة الحارثية ) وكامل أحمد علاوي (فصيل صبري الحمد عصفور من السنديانة ). 

قصة التهجير واللجوء والعودة: كانت كفر قرع محط اهتمام كبير من رجال المستوطنات اليهودية المجاورة ونشطاء المؤسسات التابعة للوكالة اليهودية في المنطقة، أولاً بسبب كونها البلد الثاني (بعد صبارين ) في منطقة الروحة من حيث عدد السكان، وثانياً بحكم امتلاك شركة "بيكا" الصهيونية لقسم من أراضيها ومجاورتها لمستوطنات يهودية اعتبرت مواقع أمامية كجبعات عادة وكفار جليكسون، وثالثاً بحكم علاقات جيدة ربطت بعض سكان كفر قرع بالمستوطنات اليهودية والأشخاص الفاعلين فيها. 

ومع اشتداد الصدامات بعد صدور قرار التقسيم عام 1947 اهتم رجال الوكالة اليهودية و"الهاجاناه" أن يكون لهم مصدر معلوماتي داخلي يزودهم بالمعلومات عن تحركات الطرف العربي على طول جبهة وادي عارة. وكما يبدو فقد كان هذا الشخص من الشخصيات المهمة في كفر قرع وقد اصطلح على تسميته في الأوساط الاستخباراتية اليهودية بلقب "الأمير". أرسل "الأمير" إلى مشغليه الأخبار تباعاً، شارحاً فيها استعدادات أهالي كفر قرع والقرى المجاورة من الناحية العسكرية، واصفاً معنوياتهم وشكل علاقاتهم مع الهيئات العربية الفاعلة كالهيئة العربية وجيش الإنقاذ واللجان القومية وغيرها.

بناء على المعلومات التي تم تركيزها في مقر قيادة "الهاجاناه" أناطت هذه القيادة بلواء "ألكسندروني" التابع لها مهمة احتلال كفر قرع كجزء "من الاختراقات التي يجب تنفيذها في العمق العربي " وذلك كما جاء في التعليمات التي بعثت لقادة "الكسندروني". حدد الهجوم ليوم الثامن من أيار 1948 وقد سبقته عملية مكثفة لجمع المعلومات عن تحركات جيش الإنقاذ وقوات المتطوعين العرب التي تواجدت في المنطقة.

بالنسبة لتفاصيل ما جرى في ذلك اليوم كثيرة هي المصادر التي تحدثت عن سير المعركة خاصة من الطرف اليهودي الذي يعدها إحدى المعارك الفاصلة التي خاضتها القوات اليهودية في المنطقة. وسنورد هنا رواية الطرفين حول ما جرى. 

أطلقت قيادة الهاجاناه على المعركة اسم عملية "يوفال" وقد ورد في تلخيص للمعركة وجدناه في وثائق لواء ألكسندروني ما يلي: "عملية ضد كفر قرع ووادي عارة : تكونت قواتنا من ثلاثة أفواج أربع مصفحات، راجمتين 3 إنش وثلاثة مدافع رشاشة. في الساعة العاشرة تم احتلال الأهداف. في الساعة 12:55 قام العدو بهجوم قوي مضاد من جهة عارة. توقفت لدينا الراجمتان وأحد المدافع الرشاشة عن العمل، كما ولوحظ نقص بأدوات التخندق وأجهزة الاتصال. في الساعة 18:40 انسحبت قواتنا من كفر قرع بعد نسف ثلاثين بيتاً. تقدر قوات العدو بخمسمائة رجل، تم تكبيدهم خسائر والعدد غير معروف أما خسائرنا فكانت 7 قتلى و23 جريحاً ". 

إن المتأمل لهذا التلخيص لا يجد نبرة نشوة الانتصار التي ميزت أدبيات "الهاجاناه" من تلك الفترة، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن نصراً لم يتحقق لهذه القوات في تلك المعركة، بل إن لجوء كاتب التلخيص للتهويل يدل على رغبة بتغطية الفشل الذريع الذي منيت به قوات "الكسندروني" في ذلك الهجوم. إذ أن عدد المدافعين لم يصل الخمسمائة بأي حال من الأحوال، في حين كان مجموع ما تضرر من بيوت أو نسف من قبل القوات المهاجمة ثلاثة بيوت فقط، وليس 30 بيتاً كما ورد في التلخيص. هذا مع العلم أن عدد قتلى القوات المهاجمة بلغ 13 وليس 7 قتلى، ولكن يمكن أن نبرر الفرق في أن يكون العدد قد زاد بسبب وفاة بعض الجرحى الذين كانت جروحهم بالغة. 

أما الرواية المحلية للحدث فيمكن تلخيصها كما وردت على لسان شهود عيان كنا قد أجرينا معهم مقابلات حول المعركة وقد جاء فيها: " كان الهجوم من جهتي المقايل غرباً والعرق جنوباً. في البداية كان المدافعون من أهل القرية فقط وقد كان لديهم قرابة خمسون بندقية مختلفة الطراز. من الأشخاص الذين قابلوا الهجوم من جهة الجنوب وتصدوا للمهاجمين وجهاً لوجه نذكر حسن الشتيوي زحالقة، عبد الرحمن نجيب زحالقة، أحمد العبد اليحيى، حمدان أبو خاطر، راجح العريدي وآخرين. انضم لهؤلاء في مرحلة متأخرة كل من أحمد الجبر مصالحة، عبد الرحمن الجبر مصالحة، محمد جميل مصالحة، محمد يوسف بدوية، أنيس حسين مصالحة والحاج محمد الحمدان كناعنة.

قاوم أهل القرية أكثر من ساعة ولكن القوات المهاجمة استطاعت دخولها والسيطرة على بعض النقاط الإستراتيجية فيها. عندها بدأ الأهالي بمغادرتها، أول حارة غادر أهلها كانت الحارة التي تعرضت للهجوم الأول وهي حارة الزحالقة. في البداية تم إخلاء النساء والأطفال والعزل من السلاح وبعدها تم إخلاء البلدة تماماً إلا من العجزة والمقاتلين. بعدها بدأت الفزعات بالوصول من القرى المجاورة وقد كان معهم ثلاثة من جنود جيش الإنقاذ (ضابط وجنديان ) الذين احضروا معهم مدفعاً رشاشاً من طراز برن ( في نهاية المعركة استشهد الضابط السوري الذي كان يحمل البرن ). 

جاءت الفزعات من قرى عارة، عرعرة، برطعة، يعبد وأم الفحم بعد ساعتين من بدء العملية. وقد فاجأت الفزعات اليهود فاخلوا القرية بعد أن نسفوا ثلاثة بيوت: بيت أحمد العبد الله يحيى، بيت أحمد العلي الزامل ( الذي هدم على رؤوس ثلاث نساء) وبيت مصطفى أبو يعقوب. بعد ذلك بيوم رجع السكان إلى القرية، أخذوا أغراضهم وتشتتوا". 

كان هذا تلخيصاً للرواية المحلية لمجريات المعركة، وقد قمنا بمعاينة مواقع المعركة والبيوت المهدومة ولم نجد ذكراً لأكثر من ثلاثة بيوت. وقد حصر من قابلناهم أسماء الشهداء ب 11 شهيداً والجرحى بثلاثة وهم كالتالي : استشهد كل من: محمد حسن مسلماني ( كان عمره آنذاك 28 وكان متزوجاً حديثاً وله بنت واحدة )، راجح العريدي ( 50 عاماً وقد استشهد لاحقاً أحد أبنائه في منطقة القدس)، الحاج محمد الحمدان كناعنة (55 عاماً )، حمدان أبو خاطر ( 55 عاماً ) محمد عارف يحيى (30 عاماً وقد كان معوقاً عقلياً ) سليم أحمد أبو سرية ( استشهد في بيته )، آمنة عبد فنادقة ( مسنة لم يعرف عمرها بشكل دقيق )، أم العبد الزامل (لم يعرف اسمها أو عمرها بشكل دقيق )، فاطمة عبد الرحمن زحالقة، شخص من عرب التركمان ( لم يعرف اسمه أو عمره بشكل دقيق وقدر بأنه كان في العقد الرابع من عمره) ضابط سوري من جيش الإنقاذ (لم يعرف اسمه وقد قدر بأنه كان في العقد الرابع من عمره ). أما الجرحى فكانوا: شوكت فرج فنادقة، مريم عيسى سعد، ذيب محمد أبو نعسة. 

اللجوء والعودة : بدأ لجوء سكان كفر قرع إلى القرى المجاورة ( عارة، عرعرة، برطعة، طورة، يعبد وأماكن أخرى) في العاشر من أيار 1948 واستمر حتى الثاني عشر من نيسان 1949. وبهذا يكون تهجيرهم قد دام 11 شهراً، عادوا قبل تسليم القرية لإسرائيل (الذي جرى في التاسع عشر من أيار 1949 بمقتضى اتفاقية رودس بين الأردن وإسرائيل) بقرابة الأربعين يوماً. 

وعن تطور فكرة العودة وعن تفاصيل ما جرى بعد ذلك، يروي سليمان جبر مصالحة فيقول: " في بداية نيسان 1948 كنت مع عائلتي لاجئين في قرية طورة، حين سمعنا في الراديو أخباراً عن توقيع اتفاقيات الهدنة في رودس. وقد قال لنا يومها خالي إبراهيم القربي بأننا سنحاول العودة للبلد وقد ذهب في صباح اليوم التالي إلى حسن عيسى عثامنة وحسن محمد الحاج يونس مصالحة وطالبهم بالعودة للبلد ذلك أن القرية لم تحتل من قبل اليهود. وقد أجابه الاثنان بالإيجاب قائلين بأنه من الأفضل لنا أن نموت في بلدنا على أن نبقى لاجئين، في صباح اليوم التالي حملنا أغراضنا وعدنا للبيوت، وبعدها لحق بنا حسن العلي مصالحة وإخوانه، وقد كان العائدون يأكلون ويسهرون وينامون مجتمعين. 

من الجدير ذكره أنه في هذه الفترة استشهد نتيجة انفجار ألغام زرعتها القوات اليهودية في محيط القرية كل من عوض العبد الموسى إسماعيل وزوجته وجرح محمد الحاج أحمد مصالحة وهم في طريقهم لقطف الذرة من حقولهم الواقعة في منطقة الزعفرانية غربي القرية
avatar
 
 
ذكر
عدد المساهمات : 1020
نقاط النشاط : 1444
تقييمك : 5
تاريخ التسجيل : 08/06/2015
العمر : 18
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضوhttp://inkor.ibda3.info/

رد: حلقات من دفاتر النكبة

في 17.03.16 21:36
من دفاتر النكبة (12):
بيسان: قصة اندثار مدينة كانت سباقة في عصر الحداثة
مدينة بيسان مدينة عريقة تضرب جذورها عميقاً في التاريخ على مدار قرابة خمسة آلاف سنة خلت. تقع هذه المدينة في الظاهر الجنوبي – الشرقي لمرج ابن عامر وعلى الأطراف الغربية لغور الأردن، وتبعد عن بحيرة طبريا 25 كم باتجاه الجنوب. 

كانت في فترة الانتداب البريطاني مركز قضاء حيث حملت ملامح مدينة رغم قلة عددها سكانها (قرابة 6000 نسمة عشية النكبة ) سكنها خليط من أهل المدن والفلاحين والبدو ومن القبائل التي عاشت في محيطها الغزاوية والصقور والزيناتي والبشاتوة والبواطي. كان معظمهم يسكنون في خيام وبيوت من طين.

جاءت إليها عائلات من دمشق ونابلس والناصرة واستقرت فيها، هذا فضلاً عن بعض العشائر البدوية التي استقرت فيها مع بداية سنوات العشرينيات من القرن الماضي وخاصة من عرب الغزاوية والغوارنة. تشكل سكان المدينة من فسيفساء إثني وطائفي حيث سكنها العرب وبعض العائلات اليهودية (حتى العام 1929 ) والأرمنية والشركسية ومن الناحية الطائفية سكنها بالإضافة للمسلمين ( الذين شكلوا غالبية السكان ) أبناء بعض الطوائف المسيحية كالكاثوليك والأرثذوكس والأرمن. 

بلغت مساحة أراضي بيسان حوالي 35000 دونم تم فرزها عام 1921 حسب اتفاقية فرز أراضي الغور. وقد نجحت المؤسسات الصهيونية بشراء ما يقارب 40% من مساحة هذه الأراضي خلال فترة الانتداب. زرعت هذه الأراضي بالغلال كالحنطة والشعير والذرة والسمسم ونسبة منها زرعت بأشجار الفاكهة كالموز والمشمش والرمان والتفاح والحمضيات. 

لم تكن الزراعة مكان العمل الأساسي لسكان بيسان، بل عمل الكثيرون منهم كحرفيين وفي التجارة وفي الوظائف الحكومية. فمن الفئة الأولى نذكر : سالم السالم (حداد)، عبد الكريم قادري (نجار )، عبد الكريم سليم حجازي (نجار )، شفيق حداد (حداد )، نديم أبو غزالة (خياط )، مسعود درويش (خياط)، فوزي درويش أحمد (خياط ) ومحمد جلاد الصانوري ( خياط ).

ومن الفئة الثانية نذكر سعيد صالح عنبتاوي ( تاجر غلال وقماش )، إبراهيم حنا سابا ( تاجر وقود ووكيل شركة واكوم لإنتاج الوقود وتسويقه )، إسماعيل جمعة الشامي ( تاجر غلال وأقمشة)، إبراهيم حنا قبعين ( تاجر غلال وأقمشة )، سعيد ناجي عبد العلي ( تاجر غلال وأقمشة )، وآدم السالم ( تاجر قطع غيار للسيارات ووكيل شركة شل للوقود ). أما في الفئة الثالثة فقد عمل العديد من أبناء بيسان في الوظائف الحكومية المختلفة خاصة في إدارة الأشغال العامة والشرطة والجيش، نذكر منهم توفيق صالح تهتموني الذي كان ضابطاً كبيراً في سلاح حرس الحدود، عبد الله أبو رحمون ( دائرة الصحة )، حبيب وهبة ( محاسب بلدية الناصرة )، سلمان سليم أبو رحمون ( سكرتير بلدية بيسان )، جريس إبراهيم العورة ولبيب جريس حبيب وكامل الجندي (دائرة المساحة )، ناجي سعيد عبد العلي ( شرطة )، سليمان ديب العلي ( شرطة )، داود أسعد علي التهتموني ومحمد سعيد الناجي ( دائرة البريد، فرع بيسان )، عبد الرحمن درويش أحمد ( محاسب بلدية بيسان )، محمد ذيب علي تهتموني (معلم في بيسان ) أمينة أبو دراز ( معلمة في الطنطورة )، ربيحة حمادة ( معلمة في بيسان )، يسرى حمادة ( معلمة في بيسان )، صبحي عبد الله أبو رحمون، حسني محمد حسن أبو خليل ( معلم لغة عربية )، حسني منصور ( معلم علوم )، عدنان محمد سعيد الحلبوني ( معلم، أصبح طبيباً بعد التهجير ). 

كانت في بيسان حركة تجارية نشطة، وكان فيها عدد من الدكاكين والمحال التجارية نذكر منها: دكان بنّا وسالم، دكان داود الطاهر وشركاه، دكان سعيد التميمي، دكان أحمد بندقجي الشامي، دكان مصطفى سليم صالح وشركاه ودكان إبراهيم أبو علي. 

كما وكانت فيها مدرستان واحدة للبنين وأخرى للبنات، وقعت الأولى إلى الغرب من عمارة السرايا (مقر القائمقام العثماني أثناء الفترة العثمانية المتأخرة ) بعشرين متراً. أما الثانية فقد وقعت شمال الشارع الرئيسي وكانت عبارة عن بناية صغيرة حجرية سوداء مظللة بالأشجار. تعلم الطلاب في المدرسة الابتدائية للبنين حتى الصف الثالث، وكانت البناية مكونة من غرفة معلمين وثلاث غرف تدريس، كان مديرها حسن فرحان المصري وبعده أحمد الموسى من كفر قدوم، أما المعلمون فكانوا عزيز الخوري من الرينة، فؤاد مرعي من جنين، صبحي عبد الله أبو رحمون ومحمد ديب تهتموني من بيسان. 

بيسان وثورة 1936 -1939: كانت بيسان نشيطة جداً في ثورة 1936 -1939 وكان فريد فخر الدين من أبرز الناشطين في المجال الوطني منذ العشرينات. وقد سجن أثناء الثورة في سجني صرفند وعوجا الحفير. وقد انضم لحركة الشيخ عز الدين القسام من بيسان كل من الشيخ محمد حنفي ومحمد عبد الهادي فخر الدين وعبد الجبار عبد الرحيم فخر الدين. أما رؤساء الفصائل في الثورة فكانوا: الشيخ عبد أبو رحال وقد استشهد في صدام مع قوة الحدود البريطانية، فؤاد عبد القادر الأحمد، ومصطفى أبو شام وقد استشهد في نهاية الثورة. أما من الثوار فقد كان كل من: محمد عبد الله العلي، سليم شاتي الحمدان، محمود عبد الله مرجان، فياض أبو سرية، محمود أبو سرية، عبد الله عبد أبو حسونة، كامل حسين أبو صقر، حمدي رباح أبو علي (اعتقل لمدة سنة ) محمد أعد أبو سرية (اعتقل لمدة ثلاث سنوات)، نايف محمود حلبوني ( شهيد، نفذ فيه حكم الإعدام بعد اعتقاله )، عيد محمد عطاري (شهيد )، مصطفى أحمد نداف، سعيد إبراهيم نداف، درويش صالح أبو زنط، خليل حسن المحروم (شهيد )، عبد الرحيم جاد الحاج (شهيد، نفذ فيه حكم الإعدام )، سلامة صالح برو ( اعتقل لمدة ستة اشهر ). 

وقد لاحقت السلطات العسكرية البريطانية الثوار في بيسان وهدمت بيوت من ساعدهم أو آواهم، وفي معظم الحالات تم إعادة بناء تلك المنازل مباشرة بعد هدمها. ومن البيوت التي هدمت أثناء الثورة نذكر: بيت محمد ياسر محمود، بيت آدم السالم، بيت محمد سعيد حلبوني، بيت عبد سليم حلبوني، بيت يوسف العساف وبيت الحاج يوسف شلبية.

التهجير : تم احتلال بيسان وتهجير أهلها في الثاني والثالث عشر من أيار 1948. وقد كان الوضع في جبهة المدينة والمناطق المحيطة فيها بين أخذ ورد منذ مطلع العام 1948. وقد أنيطت مهمة الدفاع عن بيسان بقوات محلية جندتها اللجنة القومية من قدامى ثورة 1936 -1939 ومن رجال القرية الذين كان لهم تجربة عسكرية ممن خدموا في الجيش البريطاني وشرطة الانتداب.

بلغ مجموع هؤلاء المدافعين قرابة 150 مسلحاً هذا إضافة إلى قرابة 200 متطوع عربي جاؤوا مع وحدات جيش الإنقاذ. غادرت القوات البريطانية المدينة في الثامن والعشرين من نيسان مخلية ثلاث نقاط إستراتيجية مهمة أحاطت بالمدينة وهي محطة القطار في الجهة الشمالية الغربية من المدينة ومعسكر الجيش البريطاني في الجهة الشمالية ومركز الشرطة في جهة الجنوب الشرقي. سيطر اليهود على النقطتين الأوليتين، واستولوا في معسكر الجيش على كميات كبيرة من العتاد والذخيرة، في حين سيطر العرب على نقطة الشرطة. 

في العاشر من أيار تم احتلال قرية الأشرفية في الجهة الجنوبية للمدينة. وقد أثر سقوط تلك القرية سلباً على معنويات المدافعين عن بيسان. وفي الحادي عشر من الشهر ذاته سيطرت قوات جولاني اليهودية على تل حوسان المشرف على المدينة. ومن هناك بدأت بسلسلة من أعمال القصف والقنص لأحياء بيسان المختلفة. 

غداة ذلك اليوم تأهبت قوات الفرقة 13 من لواء جولاني لمهاجمة المدينة ليس قبل أن يتصل قائد تلك الفرقة، إبراهام يوفه، بزعماء اللجنة القومية في بيسان هاتفياً ودعوتهم للاستسلام وتسليم المدينة وذلك بتنسيق مع راجمات القنابل التي دكت مواقع المدافعين والأحياء السكنية بقصف متواصل.

طالب زعماء المدينة بهدنة لبضع ساعات واقترحوا لقاء يوفه في محطة القطار. هناك قدم لهم يوفه شروطه والتي تلخصت بتسليم المدينة وكافة الأسلحة والذخائر والسيارات وكذلك تسليم المقاتلين من غير الفلسطينيين ومقابل ذلك تعهد بإبقاء السكان وعدم تهجيرهم. طالب أعضاء الوفد البيساني بمهلة للتشاور وقد جاء جوابهم بالإيجاب بعد بضع ساعات. في صباح الثالث عشر من نيسان 1948 دخلت القوات اليهودية بيسان بعد أن كانت معظم القوات المدافعة عنها قد جلت عنها بما في ذلك رئيس البلدية الدكتور رشاد الشيخ درويش ورئيس وأعضاء اللجنة القومية. 

وعما جرى بعد ذلك يحدثنا الحاج أحمد سرحان (أبو محمد) من سكان بيسان ويقيم اليوم في قرية الفريديس حيث يقول: "بقي في بيسان بعد التهجير الأول ألف نسمة تقريبا، بقينا هناك شهرين. بعد ذلك جاء اليهود وجمعونا في ساحة السرايا، كنت أنا ووالدي مع آخر مجموعة تركت بيسان، وكانت معنا امرأة اسمها أم رضا السالم وأرسين الأرمني – الكندرجي. جاء إلينا ضابط يهودي من مستعمرة "معوز حاييم"، وقال: لماذا ما زلتم هنا؟ فقلنا: "جئنا نأخذ الأغراض ولم ندرك الباص المغادر إلى الناصرة".

وبينما كان الضابط يتحدث معنا جاءت طائرة عراقية تقصف فاختبأنا، بعدها بعث الضابط لنا سيارة وحملناها أغراضاً كانت لنا وأخرى ليست لنا ومن هناك نقلونا إلى الناصرة بعد أن قالوا: اختاروا فهذه الباصات واقفة: إما الأردن أو الناصرة أو جنين. خلال وجودنا بالساحة اكتشفنا أن الشنطة التي وضعت فيها النقود والمصاغ الذهبي ظلت في الدار فهربت من الطوق ووجدت الشنطة في ساحة الدار بعدها لما رجعت كان الباص قد بدأ بالمغادرة، تعرضت له في الطريق وطلعت. لولا تلك الشنطة لكنا صرنا شحادين في الشوارع". 

لم يف يوفه بتعهده وقام بإجلاء سكان المدينة العرب عنها. وفي مقابلة كنا قد أجريناها عام 2002 مع الضابط بلتئيل سيلع والمشهور لدى العرب باسم "بلطي"، الذي تولى تنظيم حركة الباصات والشاحنات التي أحضرت لبيسان لتنفيذ عملية التهجير، علل عملية التهجير بإمكانية تعاون سكان بيسان مع القوات العربية النظامية التي كان من المقرر أن تدخل فلسطين بعد ذلك بيومين. في عام 1949 أقيمت على أنقاض بيسان العربية مدينة بيت شان اليهودية
استعرض الموضوع السابقالرجوع الى أعلى الصفحةاستعرض الموضوع التالي
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى